27 مارس, 2008

إهــــــــــــــــــداء




إهداء ..



إلى الدكتور ... نبيل فاروق
الذي علم جيلنا كيف يقرأ ... وكيف يحترم الكلمة ...
أعطيتنا كل ما تملك ...
وحسبي .. أن هذا كل ما أملك ...










محمد




26 مارس, 2008

صراع الأوغــــاد


من هو ( خميس العترة ) ... ولماذا يرتبط اسمه بـ ( أدهم صبري) وبشدة ...!!
من هي ( تفيدة جراهام ) .. وماسر اقتحامها للأحداث بدون سابق إنذار ...!!
لماذا أرسلت المخابرات العلمية فريقا خاصا بقيادة (نور)..و (أكرم) في مهمة محددة إلى زمننا برسالة محدودة إلى (أدهم صبري) ...؟!
ما سر (جـ _18) .. ولماذا اقتحم هذا الاسم الأحداث فجأة ..!!
من هو ذلك الغامض الذي اقتحم منزل (ممدوح عبد الوهاب) ليلاً ...!!
ما سر الرسالة الغامضة التي وصلت (رفعت إسماعيل) وكيف ينضم للأحداث ..!!
وأخيراً ... هل لـ (وحوش نوفا) علاقة بالأمر ..؟!
اقرأ الأحداث المثيرة وقاتل بعقلك وكيانك لتفهم أي شيئ ...!!!!


دكتور / محمد الدسوقي

الفصــــــل الأول



ارتفع دوي الرعد عنيفاً يصم الآذان في تلك الليلة من ليال ديسمبر شديدة البرودة .. حتى أن شوارع (تل أبيب) قد خلت من المارة تقريباً .. وانكمشت كل صور الحياة .. تاركة المجال لأصوات المطر الذي يرتطم بأرصفة الطرقات في عنف .. وتزاحمت صور الشتاء الخالدة لتبعث البرودة القارصة في أوصال الجميع .. وعلي الرغم من ذلك اندفعت تلك الشابة في معطف مطر شمل كل جسدها تقطع الطرقات بحسم شديد كأنما تعرف اتجاهها جيداً .. وما هي إلا لحظات محدودة حتى كانت تقف أمام منزل عتيق منزو في أحد الشوارع الجانبية ثم أخرجت من جيبها مفتاح صغير دسته في رتاج الباب مباشرة ولم تنتظر الإذن بالدخول إذ دفعت الباب وخطت بقدمها مباشرة إلي الداخل .. وبداخل المنزل وأمام مدفأة عتيقة انكمشت عجوز طاعنة في السن فوق مقعد وثير.. وعلي الرغم أنها لم تستدر نحوها إلا أنها بادرتها بكلمات حملت كل حزم وصرامة العالم وهي تقول:
ـ لم أكن أعتقد أني سأضطر إلى الانتظار كل هذا الوقت حتى تأتين ..!!
لم يبدُ علي الشابة أنها ألقت بالا لعبارتها وإنما انهمكت في خلع المعطف المبتل وهي تقول بلا مبالاة:
ـ لقد ساء الجو في (تل أبيب) كثيرا ولم أعد أرى أية مبررات حقيقية لإقامتك فيها خاصة بعد أن تقدم سنك و ساءت ....
قاطعتها العجوز بصرامة هذه المرة قائلة:
ـ لم أعتد أن يتجاهل أحد أياً من عباراتي ..
أطلقت الشابة ضحكة جزلة حملت الكثير من الشماتة هذه المرة وهي تقول:
ـ جميل منك أن قلتيها بصيغة الماضي ..
ثم اتبعت وهي تقترب منها بوجهها أكثر:
ـ لكل منا زمنه يا عزيزتي ...
ثم استدارت بعيداً عنها كأنما تعمدت أن تواري مشاعرها وهي تتبع بلهجة أكثر حسماً:
ـ من الأفضل لكلينا أن تتطرقي مباشرة إلي الموضوع الهام الذي أرسلتِ إلى العائلة بشأنه..
سعلت العجوز هذه المرة بقوة كأنما فاجأتها هذه الكلمات ثم تابعت بطرفي عينيها صورتها التي استقرت فوق المدفأة وبجوارها استقرت صورة أخرى كأنما تستعيد ذكريات شبابها قبل أن تقول كأنما تتجاهل عباراتها:
ـ لابد أن العائلة باتت لا تدين لي بالاحترام المناسب حتى أنها لم تكترث لمطلبي كثيراً...
ثم صمتت فترة قبل أن تتبع بلهجة خاصة :
ـ حتى أنها لم تجد غيرك لإرساله لي في المهمة التي أردت تكليفهم إياها .. !! لم تكد تتفوه بالعبارة حتى أطلقت الشابة ضحكة رنانة شقت صمت المكان وهي تقول:
ـ يبدو أن شيطانة العائلة السابقة تجهل مع من تتكلم هذه المرة ..
ثم راحت تتظاهر بالعبث في أظفارها الطويلة وهي تتبع:
ـ ما لا تعرفه شيطانة السابقة ( سونيا جراهام) هذه المرة أيضاً أنها تتحدث لأخطر أفراد عائلة (جراهام ) على الإطلاق ..
قالتها قبل أن تتبع بلهجة مسرحية لا تخلو من الاستعراض:
ـ فأنا (تفيدة جراهام) ملكة العائلة المتوجة عبر كل أجيالها بلا نزاع
ثم لم تلبث أن حدجتها نظرة نارية في عينيها مباشرة قبل أن تتبع بنفس الشماتة والتفاخر:
ـ حتى أن الأب الروحي للعائلة أدون (عتريس جراهام) قد أكد هذه الحقيقة بنفسه مراراً في أكثر من مناسبة...
أطلقت بعدها ضحكة أخرى أشد سخرية وقسوة من سابقتها وهي تميل نحوها قائلة بسخرية لاذعة:
ـ ماقول (سونيا جراهام) شيطانة العائلة السابقة فيما قلت ..؟؟
ثم أنها حدقت في عينيها مباشرة على نحو سافر وهي تتبع بقسوة دون أن تنتظر رداً على عبارتها السابقة:
ـ لقد مضى زمنك منذ أمد بعيد يا عزيزتي ..
قالتها وحملقت في عينيها وهلة كأنما تتابع تأثير العبارة في ملامحها ثن لم تلبث أن انطلقت في ضحكة هستيرية ساخرة ...


* * *

ـ ها هو ذا هناك ..
قالها (أكرم) وهو يشير بيده نحو (س-18) الذي احتل مقعدا خلف منضدة صغيرة في نادي (الكواكب) الليلي للآليين والذي تم إنشاءه مؤخرا في مدار المريخ .. بعد حركة التوسعات الأخيرة التي نجمت عن (اتفاقيات عطارد) للتبادل المشترك فيما بين كوكبي (الأرض) و (جلوريال) ... ولم يكد (أكرم) ينطقها حتى سبقه (نور) نحو (س-18) صارخا:
ـ (س-18) هل جننت ... ما الذي أتي بك إلي مثل هذه الأماكن المشبوهة ..!!
لم يبد علي (س-18) أنه وعى عبارته وهو يرفع يده الممسكة ببرميل نحوه قائلا:
ـ في صحتك ياسيدي ..هئ ..
ثم تجرعه مرة واحدة .. حتى أن (نور) نظر نحو (أكرم) بذهول قبل أن يقول هذا الأخير دون أن يفارقه الذهول بدوره:
ـ أوصل بك الأمر إلي احتساء حمض الكبريتيك المركز في وجودنا ..
قالها وهو يقترب منه كأنما يتشممه أكثر قبل أن يتبع ذاهلا:
ـ وبالصودا أيضا...!! ياللكارثة..ياللكارثة...!!!
أما (نور) فلم يبدُ عليه أنه قد انتبه لعبارته وهو يصرخ فيه قائلاً:
ـ هيا يا (أكرم) عاونني بالله عليك حتى نأخذه من هنا فأنت تعرف أن دوريات شرطة الآداب الكونية تمر من هنا باستمرار .. ولن يكون ما سيحدث في صالحه لو عثرت عليه إحدى هذه الدوريات وهو يترنح في الطرقات ..
قالها واندفع نحو (س-18) في محاولة منه لزحزحته من مكانه .. أما هذا الأخير فقد ترنح في مكانه صارخاً ..
ـ ابتعد عني يا سيدي .. دعوني وشأني ي ي ي ..
وعلي الرغم من محاولات (نور) المستميتة إلا أنه لم يقوَ حتى علي زحزحة زراعه من مكانها .. حتى أنه قد توقف في مكانه وشعور مرير من اليأس يسيطر علي كيانه وهو ينقل بصره بين (س-18) و(أكرم) الذي رفع كتفيه بقلة حيلة في حركة فهمها (نور) علي الفور .. فحتى مساعدته له لن تجدي في زحزحة (س-18)من مكانه قيد أنملة .. ولم يكن (نور) في حاجة إلى الكثير من الذكاء ليدرك هذه الحقيقة فهو يعلم بما لا يدع مجالا للشك أنه لو تضافرت جهود جميع رواد المكان علي زحزحة جسد (س-18) من مكانه لما أجدى ذلك .. ولم يطل تساؤله طويلاً إذ اندفع (أكرم) خارج المكان تتابعه تساؤلات (نور) التي لم تدم طويلا فما هي إلا لحظات حتى كان (أكرم) قد عاد للمكان وهو يقود ونشا كبيراً وبمساعدة بعض الآليين العاملين في المكان تمكن الجميع من حمل (س-18) خارجا وهو يردد بآلية صفيرا منغوماً لأغنية ( أمان يالاللي أمان ) الشهيرة ثم لا يلبث بين الحين والآخر أن يصيح قائلا:
ـ ( أنا جدع ...هئ....)
بينما راح (نور) يضرب كفا بكف وهو يردد في أسي شديد:
ـ ياللفضيحة .. ياللفضيحة ..


* * *

ـ هل لاحظت ما لاحظته أنا يا (نور) ..؟
قالها (أكرم) بأحرف ذاهلة وهو يوجه حديثه نحو (نور) الذي كان يتوسط أفراد الفريق قبل أن يومئ هذا الأخير برأسه قائلا:
ـ لست وحدي من لاحظ ذلك يا (أكرم) .. لقد لاحظ الجميع أن ذلك المخادع (س-18) يتكلم ..
اتسعت عينا (سلوى) بذهول وهي تقول:
ـ ماذا تقصد يا (نور) ..؟!!
نظر نحوها وعبارات الدهشة ترتسم في ملامحه بوضوح قبل أن يقول:
ـ نعم يا (سلوى) لقد كان(س-18) يخدعنا طوال الوقت فهو لا يردد عبارة واحدة كما كنا نتخيل جميعا .. بل إنه يتكلم بطلاقة ..
قالها قبل أن يشيح بوجهه إلى الناحية الأخرى ثم يقول بلا تصديق:
ـ بل ويغني أيضاً ..
اتسعت عيناها في ذهول كذلك فعل الجميع وهم يحملقون في (س-18) الذي توقف في ركن الحجرة المجاورة بعد أن حطم كل الأسرة الموجودة بالمنزل بعد محاولاته العديدة للنوم علي إحداها ... ثم استدارت نحو (نور) مرة أخرى قائلة بنفس الذهول:
ـ وماذا يعني ذلك يا (نور) .. ؟!
حاول أن يفتح فمه للإجابة .. ولكن فجأة وبلا مقدمات ارتج المنزل بأثره ثم راحت أجزاء من السطح تتهاوى حولهم فاندفع الجميع إلى الخارج بينما راحت (نشوي) تصرخ في فزع قائلة:
ـ ماذا يحدث يا أبي..؟؟! أهو زلزال..؟؟!
أما (نور) فقد توقف في مكانه في هدوء بعيداً عن المنطقة التي تكومت فيها أنقاض المنزل المنهار وهو يتابع بعينيه مع الجميع (س-18) الذي خرج من تحت الأنقاض في سهولة مطلقة بينما ارتفعت عقيرته بالغناء مردداً مقاطع الأغنية الشهيرة:
(البانجو مش بتاعي والله برئ يا بيه .. الذنب ذنب أصحابي هما اللي رموني علييييييييييييه )..
أما (أكرم) فقد التفت إلى (نور) قائلا بتعجب:
ـ ماذا كان ذلك يا (نور)...؟!!!
فأجابه (نور) بهدوء شديد:
ـ إنها وسيلة اتصال القائد الأعلى الجديدة بنا يا (أكرم) يبدو أنه هناك مهمة جديدة تنتظرنا ...
قالها وراح يتساءل في أعماقه عن طبيعة المهمة الجديدة ...

الفصــل الثــــاني



ارتفع دوي الرعد مرة أخرى ممتزجاً بأضواء البرق الخاطفة التي انعكست على وجه (سونيا جراهام) ولا أحد يعرف كيف حدث ذلك على الرغم من أنهما في داخل المنزل ويبدو أن سقف المنزل كان مشققا بما يكفي لاختراق البرق المكان حتى أن وجهها بات أقرب شبها في هذه اللحظة إلى وجه (أمنا الغولة) وهي تقول :
_ تعجبني طريقتك الشريرة في الحديث.. ولا تنسي أنني كنت شريرة أيضا ذات يوم ..
ابتسمت (تفيدة جراهام) في شراسة أكتر وهي تتصنع الشفقة قائلة:
ـ توقفي عن هذا الأسلوب المثير للشفقة قبل أن تتساقط دموعي علي الرغم مني وأنهار في لوعة باكية تحت قدميك ... ثم أتبعت بلهجة ماكرة:
ـ هل تعلمين سر قبولي لهذه المهمة على وجه الخصوص على الرغم من أني مقبلة علي امتحانات الدور الثاني في دبلوم " الصنايع " في مادة " المحاسبة " ..؟
أطلقت (سونيا جراهام) ضحكة شرسة أهتز لها كيانها قبل أن تقول بسخرية لاذعة :
ـ يبدو أن شيطانة العائلة الجديدة لم تعد تستوعب الفارق الرهيب ما بين دبلومي " الصنايع" " والتجارة " .. حتى أنها تتخيل أن مادة المحاسبة التي يدرسها نصف طلبة إسرائيل باتت تدرس في دبلوم " الصنايع " بدلا من دبلوم التجارة ... قالتها وأطلقت ضحكة أخري أشد سخرية من سابقتها حتى أن وجه (تفيدة جراهام) قد أحتقن بالدماء من شدة الغيظ ثم خرج صوتها متلعثماً وهي تقول:
ـ إنها مهام العائلة على كل حال ... وهذا وحده ما جعلني أغفل عن المذاكرة ..
ثم أشاحت بوجهها كأنما تبحث عن سبيل آخر لتغيير الموضوع ..! مرت بعدها لحظة من الصمت كأنما لم تجد ما يقال حتى أن (سونيا) قد تعمدت أغاظتها أكثر وهي تقول بهدوء مستفز:
ـ لم تطلعيني بعد علي سر قبولك للمهمة علي الرغم مما قلت..!!
ضغطت (تفيدة) على أسنانها في غيظ مكتوم هذه المرة وقاومت رغبة قوية في ضربها على مؤخرة رأسها بإناء الزهور العتيق المجاور لها ولم تشأ أن تخبرها أنها قد نجحت في " حبس" دمها بالفعل ولكنها اكتفت بالصمت والأخرى تتبع بنفس الأسلوب المتشفي :
ـ يبدو أني قد ذكرتك بما لا تودين سماعه .. ولكن ما لا تعرفينه أيضا أنني قد اجتزت كل امتحانات دبلوم التجارة بنجاح منقطع النظير .. ولو قدر لك يوما أن تقر أين ملفي كاملاً فستعرفين أن مجموعي في الإعدادية كان يؤهلني للالتحاق بالثانوية العامة ولكني كنت أكثر الجميع ذكاءاً واكتفيت بدبلوم التجارة مادامت كل الأمور تستوي في النهاية قالتها ثم رفعت احد حاجبيها بطريقة خاصة وهي تتبع:
ـ أرأيتِ أن المسافة بيننا مازالت شاسعة...؟!!
قالتها وأطلقت ضحكة شيطانية ارتج لها المنزل بأثره ..!!!

* * *
سطعت أضواء الليزر الملونة في إبهار حقيقي في نادي (الكواكب) الليلي للآليين .. ثم توقفت دفعة واحدة قبل أن ينبعث صوت آلي شديد العمق يشبه صوت صرير الأبواب في المكان قائلاً:
ـ أعزائي رواد الملهي من الآليين والآليات .. يسعدنا أن نقدم لكم مفاجأة نادي (الكواكب) للآليين لهذه الليلة وكل ليلة .. الراقصة اللولبية .. ذات الوسط الفوتوني المعدل .. والتي أصابت سكان كل الكواكب المجاورة بالانبهار لرقصها الأسطوري .. ثم صمت برهة كأنما يشحذ خيالهم قبل أن يتبع بمزيد من الإثارة :
_ معنا الليلة الراقصة الكونية .....(جـ -18) ترقص لكم علي أنغام أغنية من التراث القديم وهي أغنية ( يا حسن يا مقاتل الفضاء يا حسن)..
ولم يكد يلفظ الاسم حتى ارتجت القاعة بعاصفة من التصفيق الشديد وتعالى الهتاف الممزوج بالصفير الحاد... ثم لم تلبث الموسيقى أن انبعثت هادئة في المكان ثم ارتفعت تدريجيا مع خفوت الأصوات التي حملق أصحابها في (جـ -18) بذهول والكل يتابع جمالها الشديد ببشرتها المعدنية الخضراء وعينيها الحمراوين في لون الدم والتي ينبعث منهما بريق فوتوني يخلب الألباب ورأسها الكبيرة الصلعاء والتي تنعكس عليها الأضواء فتهبها سحراً وبريقاً ..!!
وعلي نغمات اللحن الرائع تمايل خصرها برشاقة كبيرة تقارب سرعة الضوء .. وراحت الهتافات تتعالى والصفير يدوي وهي تدور في دورات حلزونية شديدة التعقيد .. وفجأة هدأت سرعة رقصها فجأة ... وبلا مقدمات وأمامهم علي (البيست) سقطت (جـ -18) فاقدة للوعي والحركة ..!!

* * *
اندفعت سيارة نور الصاروخية تشق الطريق إلى مبنى المخابرات العلمية الجديد في (بركة السبع) بسرعة كبيرة و أمام عجلة القيادة تململ (نور) في ضيق وهو يتابع شخير (أكرم) المتتابع خخخخخخخخخخخخ بووووووووووووف... خخخخخخخخخخخخ بووووووووووف ... حتى أوشكت أعصابه علي الانهيار بعد أن استسلم هذا الأخير للنوم وقاوم رغبة شريرة ملحة في تفجير رأسه بمسدسه الليزري لإيقاف هذه السيمفونية المزعجة .. فجأة وكعادة الأمور قطعت الطريق أمامه سيارة صاروخية صغيرة تسير في الاتجاه المعاكس .. وبلا تردد ضغط (نور) فرامل السيارة بكل ما أوتي من قوة و أدار مقود السيارة لينعطف بها في منعطف جانبي .. وفجأة وبدون مقدمات توقفت السيارة المقابلة بجانب سيارة( نور) تماما ثم هبط منها مجموعة من الأفراد في يد كل منهم (سنجة) رهيبة الشكل قبل أن يحيطوا بالسيارة إحاطة السوار بالمعصم .. ثم اندفع أغربهم شكلاً وأكثرهم شراسة كما يبدو نحو باب السيارة الملاصق لـ (نور) ثم انتزعه من مكانه قبل أن يطرق أذنيه صوت أجش من خلفه قائلا:
- شوف في جيوبه فلوس يا (شحتة) على ما أقلب صاحبه .. وأنت يا (لمعي) نفض العربية ..
ولم يكد (نور) يسمع هذه العبارة حتى فهم أنها عملية (تثبيت) منظمة فلكز (أكرم) بيده ليوقظه .. حتى أن (أكرم) لم يكد يفتح عينيه حتى فوجئ بصرخة (نور) الرهيبة:
ـ اجري يا (أكررررررررررررررررم)
وعلي الرغم منعدم استيعاب (أكرم) للموقف تماماً إلا أنه لم يكد يسمع عبارة (نور) حتى فتح باب السيارة وحاول الهرب كأنما تطارده شياطين الجحيم مما لا يعرف بعد ... ولكن يبدو أن صاحب الصوت الأجش قد اعترض طريقه بقدمه فانبطح أرضاً وهو مازال تحت تأثير النوم قبل أن يتكالب عليه بقية الأفراد .. أما (نور) فلم يكد ينطق عبارته حتى أمسكه المدعو (شحتة) من تلابيبه وهوى على رأسه بقبضته فشعر أن الرؤية أمامه تختل ..
وأنه يسقط في عالم اللاوعي
وقد احتوته غيبوبة عميقة جدا
عميقة جدا
عميقة جد
عميقة جـ
عميقة
عميق
عميـ
عمـ
عـ

* * *
ـ ردي عليا يا (جـ-18) .. ردي عليا يا أختي ..
طرقت هذه العبارة مسامع (جـ-18) التي وجدت نفسها ممددة في سريرها ثم فتحت عينيها بوهن شديد وهي تنظر نحو أمها (هـ -50) بعينيها الفوتونيتين نصف المفتوحتين ثم قالت بوهن أشد :
ـ آآآآآآآآآه ياني .. أنا فين ..!!
فضربت أمها صدرها براحة يدها في ذهول صارخة .. مالك يا بت .. ردي عليا ... أنا أمك يا حبة عيني ..
فتحت (جـ -18) عينيها مرة أخري بصعوبة أشد وهي تقول بإعياء شديد:
ـ أيوه يا ماما أنا عارفة أنه أنتي ..
وضعت أمها يدها على رأسها لتختير درجه حرارتها المعدنية ثم قالت بقلق:
ـ مالك بس يا (جـ -18) .. فيكي إيه .. إيه صابك يا نضري ما كنتي زى الفل.. أنا أمك يا حبيبتي فهميني مالك ..!!
فجاوبتها (جـ -18) بعبارة مشجعة قائلة:
ما تقلقيش يا ماما .. أنا بس حاسة أن صواميل جسمي مفككة .. وأشباه الموصلات الأيونية بتنقح عليا شوية .. وحاسة أن الضغط الانعاكسي في جزع القنطرة المحورية مرتفع شوية ...آآآآآه
ضربت أمها صدرها مرة أخري قائلة :
ـ الضغط الانعاكسي .. يالهوي .. هي حصلت الضغط الانعكاسي .. لا كله إلا كده..!!
ثم نادت علي زوجها ( ى-60) والد (جـ -18) صارخة:
ـ أنت يا ( ى-60) الحقني يا راجل .. بنتك بتقول الضغط الانعكاسي .. اجري يا راجل هات دكتور بسرععععععععة .. وقول له يجيب معاه عدة التشحيم البنت صواميل جسمها مفككة ... اجري يا رااااجل ..

* * *
توقفت (عربة كارو) أمام مبني المخابرات العلمية في (بركة السبع) قبل أن ينظر سائقها إلي الراكبين خلفه والذين أخفيا جسديهما العاريين إلا من بعض الملابس الداخلية بأوراق الجرائد قبل أن يقول :
ـ وصلنا يا رجالة ..
نظر (أكرم) من تحت أوراق الجرائد إلي المكان قائلا:
ـ أقترب من البوابة بالله عليك ..ألا تري الحالة التي نحن عليها .. أم أنك تريد أن تجعل منا أضحوكة لكل من في الشارع ..!!
زفر الرجل في ضيق قائلا :
ـ لع .. مش هاتحرك من هنا .. وإذا كان عاجبكم .. يالله واحد فيكم يقب بالعشرين جنيه اللي اتفقنا عليها .. !!
ازدرد ( أكرم) لعباه بصعوبة وهو يتخيل موقفهما حينما يثير منظريهما هو ورفيقه (نور) موجة هائلة من الضحك في الشارع وتخيل كم السخرية الذي سيحظيان به من كل العاملين في مبني المخابرات من أصغر فراش حتى مدير المخابرات نفسه .. حتى أنه شعر في قرارة نفسه أن مستقبلهما المهني قد قارب علي الانتهاء .. ولكن (نور) أخذ نفسا عميقا ثم برقت عيناه بريقا خاصا.. وهو يقول له :
_ ومن قال أننا نملك أموالا الآن ... اقترب من المبنى حتى نأخذ من عامل البوابة ما تريد من أموال .. لكن الرجل كان قد بلغ نهاية صبره منذ فترة .. فقال لهما بحدة :
ـ الواضح كده إن النهاردة مش هيعدي علي خير .. أنتوا شكلكم حرامية .. وأنا غلطان أني جبتكم معايا .. ثم نظر إلي عربجي أخر يمر بجوراره قبل أن ينادي عليه قائلا :
ـ يا (أبو شوشة).. أنت يا (أبو شوشة)
ولم يكد هذا الـ (أبو شوشة) ينتبه له حتى قال له بلهجة اشتما فيها رائحة الغدر وهو يتبع:
ـ تعالي كده دقيقة... فيه معايا اتنين مش عايزين يدفعوا الأجرة ..
ومن تحت أوراق الجرائد اتسعت عينا (نور) و (أكرم) وقد فهم كل منهما ما سوف يحدث ..
وكان أصعب موقف تعرضا له في حياتهما العملية
بلا أدنى شك..!!!

* * *

سعلت (سلوى) في شدة وهي تضع يدها علي فمها قبل أن تقول لـ (نشوى) التي كانت تتابع حلقات (مازنجر) في التلفاز:
ـ من أين تأتي هذه الرائحة يا (نشوى) ...!!
تشممت (نشوى) الرائحة ثم سعلت بدورها قبل أن تقول :
لا أدري يا أماه .. يبدوا أنه سلاح فضائي جديد .. أو أنه مخلفات ذرية من نوع ما ألقته علينا إحدى الحضارات الكونية .. ولكن (سلوى) تشممت الرائحة جيداً مرة أخرى قبل أن تقول :
ـ الرائحة تأتي من حجرة (س -18) ..
اتسعت عينا ( نشوى) وهي تتبع أمها قائلة :
ـ ترى ماذا يحدث بالداخل .. قالتها بينما اندفعت (سلوى) نحو ثقب الباب وحينما رأت ما يحدث أطلقت صرخة مكتومة وهي تتراجع للخلف .. ثم نظرت نحو (نشوى) التي سألتها قائلة:
ـ ماذا يحدث بالداخل يا أماه..؟!!
فأجابتها قائلة:
كارثة يا (نشوى) كارثة..!!!
قالتها ثم تناولت هاتفها الخلوي وراحت تضغط رقم (نور) .. دون أن تدري أن (نور) الآن أبعد ما يكون عن هاتفه الخلوي .. الذي أصبح من ممتلكات (شحته) ورفاقه بعد أن جردوا (نور) و(أكرم) ليس فقط من هاتفيهما .. وإنما من ملابسهما أيضاً .. حتى أن (شحته) لم يكد يسمع رنين الهاتف حتى ضغط بدوره زر الإجابة .. وما أن شعرت (سلوى) بفتح الخط .. حتى راحت تسرد له ما رأت في حجرة (س-18) دون أن تتبين هوية الطرف الآخر الذي اعتقدت أنه زوجها (نور) .. أما (شحته) نفسه فلم يكد يسمع كلامها حتى مط شفتيه دلالة علي عدم الفهم .. حتى أن (لمعي) قد مال نحوه قائلاً:
ـ مع من تتحدث يا رجل..؟
رفع (شحته) كتفيه دلالة علي عدم استيعاب الأمر قبل أن يقول :
ـ يبدو أنها امرأة مختلة عقليا .. ثم أتبع دون أن ينتظر تساؤله :
ـ إنها تقول أنها اكتشفت أن (س-18) يدخن البانجو والحشيش في حجرته بعيداً عن الأعين .. هل تفهم شيئاً ..!!!
قالها ثم رفع كتفيه في تعجب ثم أغلق الهاتف الخلوي مرة أخري واندمج في الحديث مع رفاقه..

* * *
ـ الأمر بسيط بإذن الله يا سيدي
نطقها الطبيب الآلي وهو يوصل بعض الأجهزة الكهربية بجسد (جـ -18) التي استسلمت له .. وما هي إلا لحظات حتى جمع كل أجهزته ومعدات التشحيم جانيا ثم أخرج من جعبته الضخمة (شنيوراً) ليزري وهو يقول :
ـ ستحتاج فقط إلي هذه (الحقنة) ..
قالها وهو يقرب الشنيور الليزري من جسد (جـ - 18) التي تراجعت للخلف وهي تنظر نحو أمها بارتياع .. فابتسمت أمها وهي تقول:
ـ مش هتبطلي بقي تصرفات العيال دي يا ( جـ -18) أنتي صغيرة ولا إيه ..؟!!
ثم وجهت حديثها نحو الطبيب بينما تمسك بتلابيب ( جـ -18) حتى تثبتها في مكانها :
ـ طول عمرها يا سيدي من وهي صغيرة بتخاف من الحقن .. معلش بقي أصلنا طول عمرنا مدلعنها ...
لم يلتفت لها الطبيب وهو يدس طرف الشنيور في زراعها المعدنية وو.... ززززززززززززززن .........ززززززززززززن ثم أخرجه مرة أخري قبل أن يقول باسما:
ـ يبدو أن هذا الدلع سينتهي قريبا .. لأن هناك من سيأخذ كل الحق في التدليل فيما بعد قالها بلهجة خاصة .. بينما تابعته أعين الجميع وهو ينظر نحو (ى -60) قائلا:
ـ مبارك يا سيدي المدام حامل ...
قالها وترك المكان علي الفور ..أما (ي -60) فقد هوت عليه الكلمة كالصاعقة .. بينما ترنحت (هـ -50) في مكانها واتسعت عينا ( جـ- 18) في ذهول وقد انكمشت في مكانها .. ولم تمض لحطات حتى شق الصمت الذي سيطر على المكان صوت ( هـ -50) وهي تصرخ قائلة:
ـ يا لهوىىىىىىى .... يا فضحتي السودة ..
ثم انهالت علي ( جـ -18) وأمسكت بتلابيبها قبل أن تصرخ فيها قائلة:
ـ مين يا بت ... مين اللي ضحك عليكي يا بت ... ردي يا مقصوفة الرقبة .. أودي وشي من الآليين فين .. أعمل إيه دلوقتي يا ربي ... الآليين هياكلوا وشنا .. أه ياني يا قليلة البخت ياني ...
أما (ى-60) فقد استعاد رباطة جأشه وقال وهو يكاد يتردى في مكانه :
ـ البت دي مش لازم يطلع عليها النهار .. عليا الطلاق لمفككها وبايعها خردة ..
أما (جـ -18) فقد انخرطت في بكاء حار وهي تصرخ قائلة :
ـ حرام عليك يا بابا ... حرام عليكوا كلكوا... أنا متجوزة ..
قالتها وأخرجت ورقة من تحت طرف مرتبتها قائلة :
أنا متجوزة (س-18) عرفي ..
قالتها وانخرطت في بكاء حار...

الفصــل الثــــالث




ـ أعزائي مستمعي البرنامج الموسيقي الكوني .. نستمع معكم الآن إلى واحدة من أحدث أغاني الألبوم الأخير للمطرب الآلي ( عبد الحليم حافظ ) وهي أغنية ( .. ملاح .. )
تنهدت (نشوي) وهي تستمع إلي الموسيقي العذبة التي بدأت تنساب من المذياع البروتوني وتمايلت برأسها يمينا وشمالا في انسجام تام مع كلمات الأغنية التي تقول مقاطعها:
( ملاح وماشي في الفضاء ملاح .. والخطوة بيني وبين بلوتو براح .. مكوك عجيب وأنا فيه وحيد .. والدنيا ضلمة .. ومامعييش مصباح )
وبدا أنها قد نسيت نفسها بالفعل مع كلمات الأغنية حتى أنها لم تشعر بدوي جرس الهاتف المجاور لها .. حتى أن (سلوى) نفسها قد اندفعت من المطبخ في ذعر وما أن رأت ( نشوى) على هذا الحال حتى صرخت فيها قائلة:
- ألم تنتبهي لجرس الهاتف كل هذا الوقت..؟!
أجابتها (نشوى) بلا مبالاة:
- أنت تعلمين جيداً يا أمي أني أنتظر هذا الحفل منذ مدة طويلة ..
ثم أتبعت دون اكتراث :
- لقد بلغت برامج المطابقة الصوتية درجة مذهلة من الدقة .. فمن يصدق أن هذه الأغنية تأتي بصوت (عبد الحليم حافظ ) الذي رحل منـ ...
لكن ( سلوى) أشارت لها بيدها علامة التزام الصمت وهي ترفع سماعة الهاتف وعلي الطرف الأخر أتاها صوت محدثتها التي لم تكن سوي ( جـ - 18) التي سألتها بلهفة قائلة:
- الأستاذ ( س- 18) موجود ..؟
اتسعت عينا ( سلوى) لوهلة وهي تنظر باتجاه غرفة ( س- 18) المغلقة ثم أجابت بسخرية:
- هل أصبح ( س- 18) أستاذاً ..!!
ثم أتبعت علي عجل حتى لا تلقي محدثتها بالا لهذه العبارة المتهكمة:
- بأي اسم أخبره يا سيدتي ..؟
لكن ( جـ - 18) أجابتها بحزم:
- مفيش داعي هو هيعرفني لوحده
مطت ( سلوى) شفتيها وهزت كتفيها بلا مبالاة ثم اندفعت نحو حجرة ( س - 18) وطرقتها عدة طرقات بينما تقول بنفاذ صبر:
- ( س- 18) هناك فتاة علي الهاتف في انتظارك
صمتت فترة ثم أعادت المحاولة عدة مرات دون أن يأتيها صوت ( س- 18) فتنهدت في ملل ثم عادت إلي الهاتف ورفعت السماعة قائلة:
- يبدو أنه غير موجود يا سيدتي .. أخبريني بالاسم وسأخبره عند عودته و..
لكن (جـ - 18) قاطعتها دون أن تستمع إلى بقية عبارتها :
- قوليله بس يفتح موبايله وأنا هأكلمه عليه
أنهت (سلوى) المحادثة ثم نظرت إلي (نشوى) التي كانت ما تزال تتابع كلمات الأغنية بشغف فصرخت فيها قائلة:
- إلى متي ستظلين جالسة هكذا بينما أقوم أنا بإعداد كل شيء ..؟
أجابتها (نشوى) بلا مبالاة أكثر:
- ألست أمي؟! ... كل الأمهات تفعلن ذلك..؟
كادت تصرخ فيها بأنها قد أصبحت " شحطة " ولا يحق لها قول ذلك .. ولكنها أتبعت بنفاذ صبر:
- لم يتبق الكثير لعودة (نور) (وأكرم) و لم ننته من إعداد الطعام بعد..ولابد أن أعصابه على وشك الانفجار بسبب انهيار منزلنا الآخر ..
أجابتها (نشوي) بدون اكتراث:
- ومالي أنا بالأمر..؟
فأطلقت تنهيدة كبيرة من أعماق صدرها ثم استدارت لاستكمال الطعام وهي تتوعدها بإخبار أبيها عند عودته دون أن تدري أن (نور) و( أكرم) كانا في أشد لحظات عمريهما تعقيداً ..
على الإطلاق ..!!

* * *
كان بحق موقفاً رهيباً..!!
فقد اتسعت عينا العربجي في صرامة منذرة بالوعيد .. بينما يقترب صديقه المدعو (أبوشوشة) بعربته الكارو في ثبات مخيف وهما يتابعان صوت خطوات الحمار فوق رصيف الشارع المتتابعة والموحية بالاقتراب الشديد ..!!
أدار ( أكرم) عينين ملأهما التساؤل من تحت أوراق الجرائد نحو ( نور) قائلاً:
- وما العمل يا (نور) ..؟
والواقع أن (نور) لم يكن بحاجة إلي مثل هذا التساؤل .. لقدر راح عقله يبحث عن مخرج لهذا الموقف الرهيب الذي ألم بهما حتى أنه راح يعصر رأسه في عنف وهو يبحث عن حل مناسب لهذا المأزق ..
فجأة وبدون مقدمات اتسعت عينا ( أكرم) حينما ارتفعت عقيرته (نور) بالصياح بكل قوته:
- سين تمنتاااااااااااااااااااااااااااااااااشر .... سين تمنتاااااااااااااااااااااااااااااااااشر(*)
وفي حجرته الخاصة كان ( س- 18) يتطلع إلي صورة هواءوضوئية لـ (جـ - 18) حتى أن أذنيه الدقيقتين قد لاحظتا صوت استغاثة (نور) لكنه لم يحفل بالأمر كثيراً .. كل ما فعله هو أن حاول مط شفتيه المعدنيتين بلا فائدة وهو يشيح بيده في ضيق قائلاً:
- كل حاجة ( س- 18) .. كل حاجة ( س- 18) كما لو أنه ليس في العالم سوى ( س- 18) .. تصرفوا مرة واحدة فقط من أنفسكم ... القراء أكلت وجوهنا ..!!
قالها وأعاد التطلع مرة أخرى إلى الصورة في هيام شديد
أما (نور) فقد أدرك فشل محاولته بعد عشرات المرات من النداء المتواصل حتى أن (العربجي) ورفيقه (أبوشوشة) قد تبادلا نظرة متوجسة قبل أن يقول الأخير بريبة:
- الراجل ده ماله .. الظاهر كدا والله أعلم أن مخه مش موزون .
قالها وهو يقترب من العربة حيث برقت عينا (نور) بعد سماعه العبارة الأخيرة وقد شعر أن الصدفة وحدها قد بعثت له الحل على طبق من ذهب فاعتدل في مكانه بينما يرسم على وجهه أشد نظرات العالم بلاهة بينما تابعه (أكرم) بذهول صارخاً :
(نور) .. علام ستقدم يا (نور) ..؟!
أما (نور) فقد أطلق ضحكة شيطانية ارتج لها جسد الرجلين بينما راح يحملق فيهما كالمجانين ثم استعار لهجتهما وهو يقول:
أنت مين ياد أنت وهو..؟
ارتعدت أوصال المدعو ( أبوشوشه) وهو يتمتم لصاحبه في رعب حقيقي:
- دا باين عليه طلع مجنون بصحيح .. !!
ثم استدار نحو (نور) قائلاً:
حقك عليا يا با .. امسحها في رقبتي وحياة والدك .. أنا ما كانش قصدي حاجة
أطلق (نور) ضحكة أخرى متهمكمة لا تخلو من التظاهر بالجنون ثم أشار نحوهما صارخاً:
- أخلعا..
ازدرد الرجل لعابه بينما ينظر كلاهما إلى الأخر ثم قال صاحب العربة
- نخلع ايه يا با ما كنا حلوين
أشار (نور) بيده نحوه ليصمت وهو يقول:
- اخلعا جلابيبكما
- ازدرد الرجلان لعابهما في صعوبة هذه المرة بينما راح (أكرم) يحملق في (نور) وقد فهم مغزاه وابتسم بثقة بينما خلع الرجل الأول جلبابه وناوله لـ (أكرم) الذي عزم على ارتدائه قبل أن يأتيه صوت (نور) قائلا بصرامة:
- لا يا ( أكرم) حتى هنا ويكفي .. كل إلا ذلك.. ناولني الجلباب
زمجر (أكرم) في جشع بينما يحاول ارتداء الجلباب وهو يرمق (نور) بنظرة متحدية استنفرت مشاعرالعناد بداخله قبل أن يحدج (أكرم) بنظرة نارية بدوره فتشبث بطرف الجلباب وهو يقول في صرامة:
- ألم أقل لك اعطني الجلباب..؟!!
جذب (أكرم) طرف الجلباب من بين يديه في تحد وهو يقول:
- ارتد أنت جلباب الرجل الآخر
ولكن (نور) قال بعناد رهيب:
- لن أرتد سوى هذا الجلباب ... لقد كبر الأمر في رأسي
- أما (أكرم) فقد تضخم الأمر في رأسه بدوره وهو يقول:
- لقد نسيت مع من تتحدث هذه المرة يا (نور)..هل تتعمد ذلك أم أنك نسيت حقاً أنني ملك العناد المتوج.؟!
استنزفت العبارة ما تبقى لدى (نور) من صبر وهو يجذب الجلباب بدوره حتى أنه قد قرر أن التخلي عن الجلباب هذه المرة سوف يحرج موقفه أمام الرجلين الذين يتابعان الموقف حتى أن كل منها راح يجذب من أحد طرفي الجلباب الذي لم يتماسك طويلاً أمام قوة الجذب الشديدة فانشق نصفين بصوت مسموع .. وكان هذا وحده كافيا لأن يجن جنون صاحب الجلباب الذي يتابع الموقف قبل أن يصرخ فيهما قائلا:
- كله إلا جلابيتي ... دا أنا وارثها عن أبويا يا ( ولاد الـ....) ثم انضم للصراع الناشب بينهما ... وفي هذا اللحظة كانت قافلة من عربات الكارو تعبر الشارع مصادفة ولم يكد (أبوشوشة) يلمحها حتى تهللت أساريره وراح يصرخ فيهم بكل ما أوتي من قوة:
- يا (عوضين) .. يا ( محمدين) .. يا (عويس) .. يا (نصر) .. يا ( فرغلي) .. يا (حسنين) .. يا (مصطفى) .. يا..........
فجأة ارتج الشارع تحت أصوات أقدام الحمير التي تجر عربات الكارو والتي راحت تنهب أرض الشارع في اتجاهها نحوهم حتى أن (نور) قد حملق في المشهد خلفه بذهول وهو يتساءل عن كل هذا العدد من عربات الكارو التي راحت تتوافد للمكان فأدار عينيه نحو مبني المخابرات العلمية الذي يبعد اقل من نصف الكيلو متر تقريبا ثم نظر نحو أسطول العربات المتجه نحوهم قبل أن يستديرنحو (أكرم)الذي راح يحملق في المشهد بدوره بذهول مماثل قبل أن يصرخ فيه :
تول أنت عجلة القيادة يا (أكرم) قالها وهو يدفع الرجل الذي كان ما يزال متشبثا بالجلباب في قوة كأنما تحول الأمر لديه إلي مسألة حياة أو موت ولكن الأمر قد تحول عند (نور) إلي ما هو أكثر من ذلك حتى أنه دفع الرجل بقوة أكبر وهو يتشبث بطرف الجلباب بقوة كبيرة حتى أن الرجل قد سقط في حركة مباغتة من فوق العربة ليرتطم برصيف الشارع في عنف مما جعل الجلباب ينفلت منه على الرغم منه ... أما (أكرم) فقد انصب العرق على جبهته غزيراً وهو يحاول بكل ما أوتي من قوة السيطرة على العربة قبل أن يطرق صياحه أذن (نور):
- ما هي الكلمة التي تقال للحمير لحثهم على الجري يا (نور) ..؟
- بدت علامات التفكير الشديدة على وجه (نور) هو يناوله نصف الجلباب ليستر به جسده قدر الإمكان بينما احتفظ لنفسه بالنصف الآخر ... وبدا كما لو انه يعصر رأسه لتذكر الكلمة .. ثم برقت عيناه في قوة قبل أن يصرخ في (أكرم) قائلا:
- إنها ( شىىىىىىىى حااااااااااااااااااااااااااااااا) (**) يا (أكرم)
أما (أكرم) نفسه فقد سيطر علي العربة بمهارة مذهلة يحسد عليها حتى أن (نور) قد تساءل في أعماقه في حيرة حقيقية عن طبيعة عمله السابقة فيما يسبق فترة احتلال الأرض ... ولكن خواطره لم تدم طويلاً حيث اقتربت عربات الكارو التي يقودها سلة من (العربجية) الأوغاد في احتراف حقيقي وراح يبتهل وهو يتابع بوابة مبنى المخابرات العلمية التي تقترب في بطء ... وبدا المشهد أمامه في هذه اللحظة كأغرب عملية اقتحام لمبنى المخابرات العملية رآه في حياته ..!!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) معناها (س - 18) .... راجع العدد مليار (المقاتل العجوز)
(**) معناها سير أيها الحمار ... الموسوعة العالمية الشاملة لقيادة الحمير

* * *

- أنا خلاص لازم أموت نفسي .. أنا لازم أبلع قنبلة هيدروجينية
رددت (جـ - 18) هذه العبارة في انهيار تام بينما تغرق الشرارات الكهربية عينيها من أثر
البكاء وبدا منظرها مثيرا للشفقة بحق بينما أتاها صوت أمها التي تجلس بجوارها علي طرف الفراش قائلة:
- يابنتي ما تعمليش في نفسك كده قطعتي قلبي
لم تجد أم (جـ - 18) سوي هذه العبارة وهي تربت علي كتف ابنتها التي لم تكف عن
البكاء لحظة منذ أن افتضح أمر زواجها السري بـ (س – 18) وراحت تمسح الشرارات الكهربية التي تنهال من عينيها قبل أن تقول:
- ياماما دا بينكر نفسه مني ..!!
ثم أتبعت بينما تزرف الشرارات الكهربية من عينيها أكثر:
- دي أخرتها يا (س - 18) ... بقي دا جزائي؟!!
أما أمها فقد مصمصت شفتيها في حسرة قائلة:
- هما الرجالة كلهم كده يا بنتي مش أنا سبق وحذرتك ..؟!
فأجابتها (جـ - 18) بحسرة:
- أيوة يا ماما ... أنا اللي طلعت خايبة
ثم أنهارت في البكاء بصورة كبيرة وهي تقول بصوت مختنق بالدموع:
- بس أنت ما سمعتيش وعوده ليا قبل الجواز ..!!
أبتسمت أمها في سخرية مريرة وهي تتبع:
أظن ما قال لك أنه هيسكنك في (بلوتو) ويجيب العفش من (دمياط) ويشترى لك صاروخ اتناشر متر ويعمل لك فرح في نادي الشرطة في (جلوريال) ؟
فأجابتها (جـ - 18) من وسط دموعها:
- لا ياماما في شيراتون (أرغوران) .. وهيجيب لي شبكة من (عطارد)
فهزت أمها رأسها في قلة حيلة قائلة:
- وصدقتيه..!!!
ثم أتبعت بمرارة أشد:
- ما كلنا أتقال لنا كده يا خايبة ... بس دا كلام .. أنا نفسي اتقال لي أكتر من كدا .. وأدي أنا قدامك أهه زي ما أنتي شايفة .. وأنت طبعا شايفة أبوكي ... يالله بقي هنقول إيه .. كله نصيب..!!
ولم تكد تأتي سيرة أبوها حتى انفجرت في البكاء مرة أخرى وقد تذكرت وعيده لها وهي تقول بحزم شديد:
أنا ما عادش ليا حياة في الدنيا دي ... والله لازم أرمي روحي في ثقب أسود عشان أستريح من الدنيا واللي فيها
فقالت لها أمها بلهجة متوسلة:
- يابنتي العلماء ما اكتشوفوش لسه الثقب الأسود ده بيودي فين ... بلاش تعملي في نفسك كدا ..
فنظرت نحوها بريبة وهي تظن أنها محاولة منها لإثنائها عما تفكر فيه فقالت لها بريبة:
- مين اللي قال لك كدا ... ؟!!
فقالت لها أمها بصدق :
- والله يا بنتي ما بأكدب ... دا (د.نبيل فاروق) اللي قال كدا ... أنت ما بتقريش الهوامش الجانبية ولا أيه !
نظرت إليها (جـ - 18) بريبة ثم أتبعت في حزم أكثر:
- خلاص ... هأشرب سم فران
قالتها وانخرطت في بكاء شديد ...

* * *

ـ يا للمهزلة .. يا للمهزلة
رددها القائد الأعلى للمخابرات العلمية في ذهول وهو يضرب كفا بكف بينما وقف أمامه كل من (نور) و (أكرم) الذين أطرقا برأسيهما في خجل وهو يتابع نصفي الجلباب الذي يتدثر كل منهما بواحد منهما قبل أن يقول في قلة حيلة :
ـ أين أخفى وجهي من الناس..!! .. والكارثة أن يكون ما حدث قد تم التقاطه علي إحدى الكواكب الأخرى وقتها ستصبح فضيحة كونية .. ولن نقوى على إظهار وجوهنا جميعا في أي مؤتمر كوني ..
ثم نظر نحو (نور) قائلا بنفس اللهجة التقريعية الشديدة:
- أنت يا (نور) .. أنت .. !! ... كيف يصل بك الحال لأن تترك بعض الهواة يسرقون ملابسكم
تنحنح (نور) في حرج بينما استدرك ( أكرم) سريعا :
ـ لم يسرقوا ملابسنا فقط يا سيدي بل سرقوا السيارة أيضاً
صرخ فيه القائد الأعلى بكل ما يمتلك من حنق:
- فقط...!!
فاندفع (أكرم) قائلاً على الفور:
لا يا سيدي .. بل سرقوا متعلقاتنا الشخصية أيضا كما سرقوا هواتفنا الخلوية وساعة (نور) الـ ...
صرخ فيه القائد الأعلى كأنما لا يحتمل كل هذا:
- اصمــــــــــــــــــــت
تنحنح (أكرم) في حرج وهز تفيه بتعجب وتساءل في أعماقه عن أطواره الغريبة وهو يسأله ببساطة محملة بالتعجب:
- أردت فقط أن أوضح الأمر ...!!
تجاهله القائد الأعلى وهو ينقل بصره نحو (نور) الذي تمنى لو انشقت الأرض وابتلعتهما لكنه تنحنح مرة أخرى في حرج وهو يتبع :
لقد كانوا يحملون السنج يا سيدي ولولا ذلك لكنا ....
قاطعه القائد الأعلى مرة أخري في عصبية :
- لكنتم ماذا يا (نور) ...
ثم حاول التحدث لكنه لم يجد ما يقال فاكتفى بالصمت ثم أشار بيده لهما للجلوس ... فازدرد (نور) لعابه بينما جلس (أكرم) على الفور فتبعه بهدوء بينما قال القائد الأعلى في صرامة:
- ركزا معي الآن ودعا كل ما في بالكما فهناك مهمة جديدة لكما
أجابه (نور) على الفور:
- نحن رهن إشارتك يا سيدي
لم يكد القائد الأعلى يسمع هذه العبارة حتى لانت ملامحه ثم راح يسترسل في تفاصيل المهمة الجديدة بينما تابعه (نور) و (أكرم) بذهول لا حد له ..!!!

* * *

ابتسمت (سونيا جراهام) في شراسة حينما دوي الرعد مرة أخرى وسقطت أضواء البرق علي وجهها كأنما راق لها منظرها حينما تنعكس عليه أضواء البرق الخاطفة قبل أن تقول في سخرية لاذعة موجهة حديثها نحو (تفيدة جراهام) :
- لقد دفعتي بنا للحديث في أمور جانبية بينما تركتنا السبب الحقيقي لاستدعائك ..!!
مالت (تفيدة جراهام) نحوها وهي تزوي ما بين حاجبيها دلالة على التركيز الشديد وهي تقول:
- سيكون من الجيد حقا أن تأتين من نهاية الموضوع
قالتها وضمت يديها أمام صدرها وهي تنصت نحو (سونيا جراهام) التي أشاحت بوجهها إلي الناحية الأخرى ... ثم صمتت برهة لم تدم طويلاً قبل أن تقول:
- أخبريني يا (تفيدة) ... هل حدث وقمتي بقراءة ملفي من قبل ..؟
أطلقت (تفيدة جراهام) ابتسامة ساخرة من ابتساماتها المعتادة وهي تقول:
- حتى أطفال إسرائيل يحفظون ملفك عن ظهر قلب يا عزيزتي
لم تتخلَ (سونيا جراهام) عن قناع الجمود الذي غلفت به وجهها وهي تقول :
- لابد أنك تعرفين كل شيء عني إذاً
سألتها (تفيدة) في لهجة خالية من الصبر:
- ألم نتفق أن تأتي من نهاية الموضوع .. ؟
تجاهلتها (سونيا) مرة أخرى واستدارت تطالع صورتها والصورة الأخرى المثبتة بجوارها على الجدار أعلى المدفأة قبل أن تقول:
- هلي تعلمين شيئا بشأن زواجي القديم..؟
أطلقت (تفيدة) ضحكة شيطانية من ضحكاتها المعتادة قبل أن تقول:
- أتحاولين إيهامي بأنك لم تتزوجي عشرات المرات مثلـ ... أأأ... أقصد مثلما يقولون داخل العائلة..؟
ازدردت (سونياجراهام) لعباها في ضيق حقيقي للمرة الأولى وهي التي كانت تعتقد اعتقادا جازماً بأن قصة حياتها تدرس في مدارس المخابرات في كل مكان ... لكنها تجاهلت هذه المرحلة بإرادة فولازية وهي تتبع:
- أتحاولين إيهامي بأنك لا تعلمين بشأن زواجي السابق من ( أدهم صبري) ..؟
حكت (تفيدة جراهام) ما خلف أذنها بيدها في محاولة للتذكر قبل أن تقول:
- أهو تاجر الأسمنت الذي قمتي باعتياله بعد زواجك منه في السنغال؟
أطلقت (سونيا جراهام) شقهة فزع قبل أن تقول:
- من أين جئتِ بهذه المعلومة الكاذبة .........؟!!
ارتسمت ابتسامة واهنة علي وجه (تفيدة جراهام) قبل أن تقول بأسلوب تعمدت أن يخلو من المشاعر:
- ألم أقل لك أن قصة حياتك بات يعلمها كل طفل في إسرائيل
ارتسمت ابتسامة جزعة علي وجه (سونيا جراهام) قبل أن تتبع: أتروجون عني إشاعات كاذبة .... - - - - يا للمصيبة ..!!
رفعت (تفيدة) أحد حاجبيها بينما زوت الآخر في عدم تصديق وهي تقول بريبة:
- وماذا إذا عن زوجك الكولومبي الذي قمتي بمساعدته في تهريب السلاح .. وماذا عن الآخر البرازيلي والذي عاونتيه في تجارة حبوب القهوة المغشوشة والآخر الأمريكي الذي تركتيه بعد القبض عليه في عملية تهريب المخدارت والنيوزلندي الذي شاركتيه في تربية الأبقار في مزرعته الخاصة إلى أن احترقت في ظروف غامضة والآخر من صعيد مصر والذي .......
قاطعتها (سونيا) صارخة:
- كفــــــــــــــى ... ما كل هذا الهراء ..!!!
ثم أتبعت في شراسة ساخطة:
- من أين لك بمثل هذه الأنباء الكاذبة .. ولمصلحة من تروجينها .. ؟
تصنعت (تفيدة جراهام) عدم الاهتمام وهي تقول لها :
- سبق وأخبرتك أن هذه الأخبار وغيرها لا تحتاج لترويج ... فالجميع يعلمها بالفعل .. بل ويحفظها أيضا عن ظهر قلب (*)
ازدردت (سونيا جراهام) لعابها في ضيق حقيقي وتمتمت بصوت منخفض:
- لقد ساءت الأمور حقا أثناء فترة غيابي ... ولكن أوان تدخلي لإصلاح الأمور لم يحن بعد..
قالتها واستدارت نحو (تفيدة جراهام) قائلة:
- دعي كل هذه الهراءات جانبا .. وأنصتي إلى كلامي ... فالأمر هذه المرة يحتاج إلي مجهودات خاصة جداً والأمر لن يكون سهلاً بالمرة خاصة وأن المهمة التي سأكلف بها هذه المرة تقع في أكثر الأماكن بغضا لنا جميعاً
ثم أتبعت في كراهية:
- في مصر..
وكانت هذه الكلمة تكفي..
تماما..!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) لمزيد من التفاصيل تابع رواية (اسمهـــــــا سونيا جراهام) ... تأتي لاحقا

* * *

اتسعت عينا (نور) و (أكرم) في ذهول وهما يتابعان كلمات القائد الأعلى الذي راح يسرد عليها مالديه ولم يكد ينتهي حتى قال (نور) علي الفور:
- سيدي .. مازلت لا أعي جيدا معني قولك أن (سونيا جراهام) قد ظهرت مرة ثانية..!!
أجابه أكرم ببساطة متناهية:
- ظهرت أي وضحت أم أن قد نسيت اللغة العربية يا (نور) ..؟
ضم (نور) قبضته وقاوم رغبته في لكمه ببسالة ... بينما تابع القائد الأعلى بغيظ شديد:
- هل طلب منك أحد الكلام يا (أكرم) ..؟
رفع (أكرم) أحد حاجبيه وهو يقول بضيق:
- أليس لي حق الحديث هنا..؟
- حدجه القائد الأعلى بنظرة نارية قبل أن يقول في خشونة :
- و أين كان لسانك وقتما سرقت ملابسكما..؟
أصفر وجه (أكرم) وخرجت كلماته متلعثمة وهو يحاول جاهدا أن يجد ما يرد به علي هذه الكلمات
أما (نور) فقد حاول تغيير مجري الحوار حتى لا يتهور (أكرم) ويلكم القائد الأعلى في عينيه فقال علي الفور :
- مازلت لا أفهم أين مهمتنا بعد .. أم أنك تود منا القيام بالقبض علي (سونيا جراهام)
أطلق مدير المخابرات ضحكة ساخرة أخري قبل أن يتبع في ضيق:
- يبدو أن عملية السرقة قد أثرت بدورها على عقلك يا (نور) ثم أتبع في ضيق أشد:
أنتما تعلمان أن (سونيا جراهام) قد قامت باختطاف ابن (أدهم صبري) ... وأنه مازال يبحث عنه حتى الآن
أومأ (نور) برأسه علامة الفهم بينما أتبع القائد الأعلى:
- مهمتكما هذه المرة تنحصر في شيء وحيد ..
ثم صمت فترة قبل أن يتبع:
- ستصلان الخبر لـ (أدهم صبري) نفسه
اتسعت عينا (نور) في ذهول قبل أن يتبع:
- هل تعني أننا...
أجابه القائد الأعلى مباشرة:
- هو كذلك يا (نور) ستسافران سوياً إلى الماضي لتبلغان (أدهم) بالأمر وتأتيان به معكما للتعامل بنفسه مع زوجته السابقة (سونيا جراهام)
ارتسمت علامات الذهول علي وجه (نور) بينما لاذ بالصمت قبل أن يتساءل (أكرم) في حيرة:
- بقي تساؤل وحيد يا سيدي يشغل بالي منذ مدة كبيرة
حملق القائد الأعلى في وجهه متسائلاً:
- وما هو يا (أكرم) ؟
فقال (أكرم) مباشرة:
- أردت أن أعرف فقط هل كبر ابن (ادهم صبري) كما نكبر جميعا أم أنه مازال طفلاً ....!!!
قالها دون أن يدري أن السؤال قد باغت القائد الأعلى تماماً
وبقي السؤال يتردد في عقله كثيراً
وبلا إجابة..!!!

* * *
حاولت (جـ - 18) أن تجفف الشرارات الكهربية التي تنهال من عينيها بلا انقطاع وهي تتابع معالم حجرتها وتحمل في يدها بعض متعلقاتها بعد أن قررت الهروب من المنزل ... ولم تكد تتأكد من جمع ما تحتاجه من متعلقات حتى تسللت علي أطراف أصابعها وما أن خطت بقدميها فوق رصيف الشارع حتى وقفت في انتظار (حوامة ذرية) لتقلها نحو المحطة الكونية حيث يمكنها أن تجد سفينة فضاء مناسبة تنقلها حيث تريد ..
على الرغم من ذلك فقد طال انتظارها على غير توقعها..
وفجأة ... باغتها توقف حوامة دوريات الآداب الآلية التي تقطع أرض الكوكب باستمرار قبل أن يهبط منها عدد من المخبرين الآليين .. وعلى الرغم من أنها حاولت الهروب بكل ما تملك من طاقة إلا أن مخبرين شرطة الآداب الكونية يتم اختيارهم وتدريبهم بعناية لمثل هذه المهام.. حتى أنها قد سقطت في أيديهم بسهولة مطلقة ولم تكد يتم إحضارها بين يدي ضابط الحوامة الآلي حتى نظر نحوها باستخفاف قائلا:
- بتحاولي تهربي يا كتكوته !!....... نياهاهاهاهاها
ثم حدجها بنظرة فوتونبية تخللت وصلاتها السليكونية بأثرها قبل أن يقول:
- إيه اللي جابك هنا الساعادي يا بت ..؟
حاولت الرد .. لكن شيء ما أعاق لسانها عن الحركة قبل أن يميل أحد المخبرين علي أذنه هامسا ببعض العبارات الموجزة قبل أن يرفع عينيه نحوها قائلا:
- بقي كدا ..!!
صمت فترة قبل أن يتبع في تشف غريب:
- اممممممممممم بقي سيادتك رقاصة كمان ؟
ثم صمت فترة قبل أن يتبع:
- و ماشية كمان مع واد صايع؟
أتاه صوت أحد المخبرين الآليين من الخلف :
- اسمه (س – 18) يا بيه
أطلق الضابط الآلي ضحكة ساخرة طويلة قبل أن يقول في صرامة:
- هاتوها معاكوا في البوكس
ولم تكد (جـ -18) تسمع هذه العبارة حتى شعرت بكل وصلاتها تختل حتى ضعفت الرؤية أمامها وقد قاربت علي فقدان الوعي .... وداخل عقلها الآلي أدركت أن الأمور قد ازدادت تشابكا وأنها تخطو نحو متاهة ستبتلعها عن آخرها ...
وكم كانت محقة !!!

* * *

ارتفع رنين جرس الباب في منزل (نور) في تتابع مثير للتعجب حتى أن (سلوى) ونشوي قد هرعتا من حجرتيها في ذهول بينما قالت (نشوي) وهي تدير عينيها نحو (سلوى) في فزع:
ـ تري من هذا يا أمي؟!!
أخرجت (سلوى) مسدسا ليزرياً من طيات ثيابها وهي تقول بحزم:
ـ تقدمي نحو الباب يا (نشوى) وافتحيه ببطء وانبطحي أرضا .. واتركي لي الباقي
تقدمت ( نشوي) من الباب بخطوات مضطربة ثم فتحت الباب ... ولو قدر لها أن تري الشخص الواقف بعتبة الباب لشاركت (سلوى) هذا الذهول الذي سيطر عليها ولكنها ارتمت على الأرض مباشرة وهي تحمي رأسها بذراعيها كما لو أنها ستتعرض لهجوم شديد بأشعة الليزر من كل صوب ... لكن كل هذا لم يحدث على غير توقعها وإنما فاجأها هذا الصمت الذي شمل المكان بأثره .. فرفعت رأسها في هدوء لتتابع ما يحدث قبل أن تستدير نحو أمها التي راحت تحملق في القادم بتعجب ... استدارت مرة أخرى نحو هذا الوافد لتشارك (سلوى) التساؤل .. فأمام الباب وعلى عتبته مباشرة كان يقف شخص غريب الملامح مزري الهيئة بصورة كبيرة وقد استطال شعره لحيته حتى غطى وجهه بأثره وتمزقت ملابسه في أماكن عدة ... ولم يطل تساؤليهما طويلاً حيث قال الرجل بصوت مرهق:
ـ حمدا لله أني رأيتكم مرة ثانية .. كنت أظن أني لن أفعل مرة أخرى
ولم يكد صوته يطرق مسامعهما حتى صرخت (سلوى) بلهفة حقيقية :
من................؟!!!
فأجابها الشخص علي الفور:
نعم يا (سلوى) ... أنا (محمود)
وكانت حقا مفاجأة مذهلة..
مدهشة ..
مخيفة ..
مرعبة ..
مفزعة ..
مبهرة ..
قاسية ..
عنيفة ..
قوية ..
.....
.....
.....
....
إلخ
ولأقصى حد....!!!

الفصــل الرابــــع




لم يكد (محمود) يفتح عينيه ببطء ووهن حتى طالعته وجوه جميع أفراد الفريق الذين التفوا حوله و راحوا يتطلعون إليه بشغف شديد وحنين جارف حتى أن (رمزي) قد ربت علي رأسه في ود حقيقي وهو يقول بصوت هامس:
- (محمود) ... هل استيقظت يا صديقي ..؟
التفت إليه (محمود) بوهن شديد وهو يقول بأحرف بلغ منها الوهن والإرهاق مبلغيهما:
- (رمزي) !! .. أهو أنت ..؟
انفلتت دمعة ساخنة من عيني (رمزي) حتى أنه مسحها على عجل وهو يتبع بصوت مختنق بالدموع:
لا أصدق أننا التقينا مرة أخرى يا (محمود) ... من ذا يصدق أنك هنا بعد أن كدنا نيأس جميعا من لقاءك ..!!
ابتسم (محمود) مرة أخري بوهن أشد وهو يقول:
ـ نعم يا (رمزي) .. يا لها من ذكرى .. أنا نفسي فقدت الأمل في لقاءكم بعد سقوطي في ترعة الزمن .. أحم ... أقصد نهر الزمن
ثم صمت فترة كأنما يسترجع ذكرى مريرة بينما أتبع (رمزي) سريعاً:
ـ لقد كنت بطلاً يا (محمود) ... لقد كدت تضحي بحياتك لأجلنا ...
ثم صمت فترة أخرى قبل أن يتبع بعدها في حماس:
ـ لأجل من تحب
أدار (محمود) رأسه في الناحية الأخرى ثم قال بصوت خافت لا يبلغ مسامعها
ـ كانت غلطة ... وأقسم ألا تتكرر
ثم ضغط على أنيابه أكثر وهو يتبع فيما بينه وبين نفسه
ـ لو أنني اعرف من دفعني من سفينة الفضاء لقتلته
قالها واستدار نحوهما مرة أخري ثم قال :
ـ أنت تعرف يا (رمزي) أني لو تعرضت للموقف نفسه لاتخذت نفس رد الفعل تحت أي ظرف ولو للمرة الألف ..
انسابت دمعة ساخنة من عيني (مشيرة) وهي تقول بصدق حقيقي :
ـ لقد كنت دوما بطلاً يا (محمود)
أراد أن يقول لها :
" كنت خائبا وأنت الصادقة ..."
ولكنه اتبع مضطرا:
ـ أنت تبالغين فقط يا (مشيرة)
لكنها أتبعت بحماس أكثر:
ـ لا يا (محمود) ... الجميع هنا يعلم مدي بطولتك ... حتى أننا جميعا لا ننسى محاولاتك الدائمة لتحذيرنا كلمنا أوشكنا على مكروه .. أنت بطل يا (محمود) بطل
أدار محمود نظره في الجميع قبل أن يتبع في حيرة:
ـ ولكن أين نور وأكرم يا رفاق ألا يود أن يكون في استقبالي بعد هذه المدة ..!!
التقت أعين الجميع بحيرة دون أن يتفوه احدهم بكلمة حتى أن محمود قد أطلق صرخة هائلة ثم أتبع في لوعة:
ـ لاااااااااااااااااااااااااا .... نور ..... إنا لله وإنا إليه راجعون
ثم أتبع بحرقة أشد :
ـ متي حدث ذلك ..... وكيف ؟!!!
زودت (سلوى) ما بين حاجبيها في صرامة وهو ينظر نحو (محمود) قائلة:
ـ ما هذا الفأل السيئ يا (محمود) ....... !!
ازدرد (محمود) لعابه في حرج شديد ثم أتبع بحرج أشد:
ـ هل أخطأت .. ألم تلمحوا أنه .....
قاطعته (نشوى) هذه المرة بغضب قائلة :
ـ لا يا (محمود) أبي بخير ... كل ما في الأمر أنها مهام المخابرات العلمية التي لا تنتهي ..
زوي (محمود) حاجبيه في غضب شديد ثم قال هامسا :
ـ الوغد .... وأنا الذي لم أتوانَ لحظة واحدة عن مكالمته من نهر الزمن ولا يدري أحد كم كلفني هذا دم قلبي ... ثم في النهاية لا أجده في استقبالي ..!!
منعه من الاسترسال في هذه الأفكار صوت (سلوى) التي قالت له بلهفة:
ـ ولكن أخبرنا يا محمود كيف نجوت من نهر الزمن
شحذت عبارتها كل حواسهم حتى أن (محمود) نفسه قد التقط نفساً عميقاً كأنما أعادته عبارتها إلي ذكرى جاهد كثيراً لنسيانها وهو يقول:
ـ الأمر لم يكن بهذه السهولة يا (سلوى) .. لقد عانيت الأمرين هناك ولهذا حكاية طويلة
استدرك (رمزي) على الفور:
ـ كلنا آذان مصغية يا (محمود)
أما (محمود) نفسه فقد نظر نحو (سلوى) قائلاً:
الأمر يحتاج إلى "حلة بامية " من يديك يا (سلوى) فقد اشتقت إليها كثيراً ... بعدها سأخبركم بأغرب قصة يمكن لكم سماعها على الإطلاق ..!

* * *

دفعت حارسة السجن الآلية البدينة بـ (جـ - 18) نحو عنبر السجينات الآليات في خشونة ثم أغلقت الباب دونها في عنف ... حتى أن بقية السجينات الآليات قد التففن حولها بفضول شديد ورحن يراقبنها بنظرهن في فضول شديد كعادة كل وافدة جديدة إلى هذا المكان قبل أن تطلق إحداهن ضحكة طويلة ثم تقول في تشف عجيب:
- أنتِ وقعتي ولا الهوا رماك ...؟
أطلقت بقية السجينات ضحكة ملتاعة طويلة بينما حدجتهن (جـ - 18) بنظرة حذرة قبل أن تقول سجينة آلية أخرى في تهكم شديد :
- ابعدي عنها يا (سنية – 15) الظاهر كدا والله أعلم أن الست هانم من طبقة الآليات الراقية وإحنا بالنسبة لها أوباش .
جاوبها الجميع بضحكة أخرى أشد من سابقتها بينما اقتربت هذه المدعوة (سنية – 15) منها وراحت تتفحصها بأسلوب عجيب جمد سريان الكهرباء في عروقها وهي تقول بتهكم مخيف:
- وإيه بقى تهمة الهانم إن شاء الله ..؟
ثم أتبعت بنفس اللهجة:
- سرقة ... ولا قتل ... ولا..
ثم أتبعت بلهجة خاصة فهمتها جميع السجينات:
- ولا تكونيش من الآليات إياهم ....؟
قالتها وأطلقت ضحكة أخرى ارتجت لها جدران السجن بأثره
أما (جـ - 18) فقد انزوت في مكان بعيد في خضوع عجيب ولم تتمكن من السيطرة علي دموعها فانهالت الشرارات الكهربية لتغرق وجهها الجميل وقد باتت تعلم أن أيامها في هذا المكان ستكون محاطة بالمتاعب .. ولم تكن تدري وقتها أبداً كم كانت محقة ..!!

* * *
( ... شركة (الجناح المكسور) للطيران تهنئكم بسلامة الوصول ... كما نرجو من جميع السادة الركاب على ظهر الطائرة التأكد من ربط الأحزمة والامتناع عن التدخين استعدادا للهبوط في مطار القاهرة ... )
طرقت هذه العبارة مسامع (تفيدة جراهام) التي تنكرت في صورة سائحة صومالية حسناء بعد أن غمرت جسدها لمدة ساعات في برميل من القار الأسود ومع شعورها بعجلات الطائرة التي راحت تحتك بالأرض راحت تعود بذاكرتها إلى الجزء الأخير من حوارها مع (سونياجراهام) ....

* * *

ـ ابني يا (تفيدة) ابني
قالتها (سونيا جراهام) بأحرف شعرت (تفيدة ) أنها تفيض بالأسى والألم حتى أنها زوت حاجبيها في غير تصديق أن محدثتها هي نفسها (سونيا جراهام) التي كانت عباراتها تفيض سخرية وشماتة منذ قليل وعلى الرغم من ذلك فقد سألتها بحذر شديد:
ـ ماذا تعنين ..؟
مسحت (سونيا) دمعة حاولت جاهدة أن تنسل من طرف إحدى عينيها وهي تقول :
ـ ابني في مصر يا (تفيدة)
اتسعت عينا (تفيدة جراهام) في دهشة حقيقية وهي تقول :
ـ ماذا ......؟!!
التقطت (سونيا جراهام) نفساً عميقاً قبل أن تقول بهدوء وقد عادت بذاكرتها إلى البداية:
ـ لقد كانت خطتي آنذاك بسيطة للغاية .. ومباشرة أيضا للغاية
ثم صمتت فترة كأنما تستجمع أفكارها ثم قالت بنفس الهدوء العجيب:
ـ كان (أدهم صبري) زوجي السابق يقلب الدنيا بحثاً عن ابننا الوحيد ... ولأني أكثر الجميع علما به كما تقول كل الملفات التي يمكنك قراءتها فقد علمت أنه في سبيله حتما لإيجاده .. لهذا فقد فكرت في خطة بديلة لا يمكن أن تخطر له على بال
هزت (تفيدة) رأسها في تساؤل بينما تابعت (سونيا) كأنما راق لها تذكر هذه المرحلة من خطتها :
ـ لقد وضعت ابننا (آدم)(*) في أخر مكان يمكن له أن يفكر فيه من الأساس
ثم صمتت برهة لتتبع بعدها بنفس اللهجة المختالة :
ـ لقد كان (آدم) طوال الوقت في موطن (أدهم) الأصلي .... كان في (مصر) ..!
لم تتمالك (تفيدة) نفسها هذه المرة من الإعجاب بعقليتها وهي تقول بلهجة ذاهلة:
ـ هل تعنين أنك ...؟
أجابتها (سونيا) بلهجة تفوح بالخيلاء والفخر:
ـ نعم يا (تفيدة) ... لقد كان (آدم) طوال السنوات الماضية على مقربة من أبيه دون أن يتطرق إليه الشك لحظة واحدة في ذلك ..
قالتها ثم جلست فوق أريكتها الوثيرة أما (تفيدة) فلم يمنعها إعجابها الشديد بعبقرية (سونيا جراهام) من أن تتقول لها بحذر أشد:
ـ مازلت لا أستوعب ما تعنينه بعد ..!
نظرت نحوها (سونيا) باستخفاف شديد هذه المرة قبل أن تتبع في سخرية لاذعة:
ـ يبدو أن الصدأ قد سيطر علي عقلك مبكراً
حاولت (تفيدة) بكل ما تملك أن تسيطر على أعصابها هذه المرة فقد أعماها الفضول لمعرفة تفاصيل ما تسرده (سونيا) على مسامعها من الالتفات لعباراتها .. أما (سونيا) فقد قالت لها بنفس اللهجة الحاسمة :
ـ لقد تركت (آدم) في مصر ليتربى في أحد الأحياء الشعبية بعيدا عن عيني (أدهم) والدنيا بأثرها واكتفيت بمتابعة أخباره من بعيد ..
لم يمنع ذلك (تفيدة) من أن تسترسل في أسئلتها البلهاء قائلة:
ـ هل يعني ذلك أن هؤلاء المصريين الذي قاموا بتربيته لم يعرفوا أبدا هويته الحقيقية ..؟!
أجابتها (سونيا) بابتسامة واثقة:
ـ لقد اتبعت لذلك خطة معقدة ... حتى أن هؤلاء المصريين الذين قاموا بتربيته لا يعرفون عنه أي شيء ... حتى أنهم قد اختاروا له اسماً جديداً بعيداً تماماً عن اسمه الحقيقي ..
هزت (تفيدة) رأسها في تساءل حقيقي بينما أتبعت (سونيا) بنفس الجمود
ـ لقد أصبح أسمه (خميس)
ثم أتبعت مرة أخرى
ـ (خميس العترة)
قالتها وتطلعت بعينيها خارج النافذة حيث راح البرق يسطع من جديد ...!!

* * *
أفاقت (تفيدة) من شرودها على مرأى سيارة الأجرة التي توقفت أمامها وما أن تطلعت إلي سائقها العجوز حتى قال لها بلهجة مصرية خالصة :
- إيه يعدي البحر ولا يتبلش
فأجابته علي الفور وقد فهمت أنها الشفرة المتفق عليها فيما بينهم
- العجل في بطن أمه
أشار لها بالركوب فاندفعت نحو السيارة التي انطلقت بها على الفور لتغوص في وسط القاهرة
وكان هذا يعني أن المغامرة الحقيقية قد بدأت علي التو ..
وان قوى الشر قد تضافرت من جديد..!!
وبحق
(**)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) من المؤكد ان الجميع قد لاحظ درجة القرابة بين اسمي (أدهم) و (آدم) ... ولعل د. نبيل فاروق قد اقتبس هذا الاسم من رواية نجيب محفوظ (أولاد حارتنا) بعد الحيرة التي سقط فيها بكل تأكيد لاختيار اسم مناسب لابن (أدهم صبري)
(**) راجع كل سلاسل روايات مصرية للجيب .. ستجد هذه الكلمة في كل الأعداد علي ضمانتي ..!

* * *

تطلع (نور) نحو (أكرم) بينما يقفان أمام آلة الزمن التي راح فريق عمل كامل يضبط إحداثياتها الزمنية وإحداثيات الزمن الذي ينتمي إليه (أدهم صبري) والذي هما في سبيلهما إليه قبل أن يزدرد (أكرم) لعابه في صعوبة وهو يتحسس الرداء الخاص الذي يناسب طبيعة السفر عبر المستقبل بينما يوجه حديثه إلي (نور) قائلاً:
- هل سنقدم حقاً على هذه الرحلة غير مأمونة العواقب يا (نور)..؟!
حاول (نور) أن يبث الطمأنينة في أعماقه فابتسم ابتسامة خفيفة قبل أن يتبع:
- ماذا دهاك يا (أكرم) فأنت تعرف أن هذه الرحلة لن تستغرق سوى أقل القليل .. فالمهمة محدودة للغاية هذه المرة ولن تستغرق سوي زمن الذهاب والعودة بـ (أدهم صبري) ... ثم أتبع بنفس اللهجة :
- كما إنها ليست المرة الأولى التي نذهب فيها إلى الماضي .. أم أنك نسيت مغامراتنا السابقة ..
بادله (أكرم) ابتسامته بابتسامة واهنة لم يخف فيها اضطرابه الشديد قبل أن يقول بدوره:
- لم أنس يا (نور) .. ولن أنسى قط .. وهذا وحده ما يجعلني أقلق .. فكما تعلم ويعلم الجميع أن النحس يطاردك أينما ذهبت ويطاردني معك ... حتى أنني أتساءل أحيانا عن هذا الكم الرهيب من الكوارث الذي يلاحقنا في كل مكان ..!!
ثم صمت فترة وهو يتطلع إليه مباشرة قبل أن يقول:
- وأصدقك القول أن الجميع بات يعتبرنا نحن النحس الحقيقي يا (نور) ... وأنه لولا طلعتنا الميمونة لما واجهت الأرض هذا الكم من الكوارث ..!!
ثم ضم شفتيه بقلة حيلة قائلا:
- ومن المؤكد أنك أنت نفسك تفتقد المبرر الكافي لإقناع الجميع بأن وجودنا وحده كان الحائل الحقيقي لحماية الأرض من عدد من الكوارث أقلها هولاً يفوق ما تعرضت له البشرية من نكبات عبر تاريخها الطويل .. ولا أخـ...
هذه المرة أشار إليه (نور) بيده ليصمت في ضيق قبل أن يقول له بعتاب:
- لو سمع الرجال هذا الكلام في المؤسسة العربية الحديثة فثق أننا سنسرح بعربة بطاطا سويا بجوار الكورنيش ..!!
هذه المرة اصفر وجه (أكرم) وهو يتخيل موقفه حينما يعود إلى زوجته (مشيرة) ليخبرها انه أصبح عاطلاً ..حتى أنه ازدرد لعابه وهو يقول لـ (نور):
- هل صدقت كلامي يا (نور) .. لقد كنت أمزح فحسب يا رجل ... لقد أصبحت ضيق الصدر هذه الأيام .. !
ثم اندفع يسبقه نحو آلة الزمن التي تقبع في مكانها وهو يلوح إليه قائلاً:
- هيا إذن يا (نور) حتى لا نتأخر عن موعد الغذاء مع بقية الرفاق ..
قالها واندس داخل الآلة الزمنية واندفع بعده (نور) بدوره .. وحينما أشارت مؤشرات الآلة إلى اقترابها من نقطة الصفر حتى أختفت احداثيات المكان والزمان أمامهما حتى أن كل منهما شعر بالتوتر العجيب وفي أعماق (أكرم) كان على يقين تام من أنها ستكون أغرب مغامرة قاما بها سوياً منذ عملها بالمخابرات العلمية .. والغريب أن الإجابة على مخاوفه لم يكن بإمكان أحد أن يجيب عليها سوى هذا النهر الذي غاصا فيه معاً...
نهر الزمن...

الفصــل الخـامس



التف جميع أفراد الفريق حول (محمود) وأعينهم تتابعه في شغف كأنما تستحثه النظرات للبدء في سرد تفاصيل حكايته في نهر الزمن كاملة أما (محمود) فقد أغمض عينيه كأنما يزعجه تذكر ما حدث له في نهر الزمن وتقلصت عضلات وجهه بينما تابعته أعين كل أفراد الفريق الذين تبادلوا نظرات متوجسة حينما طالت هذه اللحظة أكثر من المتوقع حتى أن يد (رمزي) قد امتدت نحوه في تلقائية ليهزه في عنف قبل أن يتبع:
- (محمود) ... ماذا حدث يا صديقي ..؟
ولكن (محمود) لم يستجب له كما هو المتوقع بل تصلب جسده بصورة أشد غرابة حتى أن (سلوى) قد اقتربت منه وهي تردد بفزع:
- ماذا حدث له يا (رمزي) ..؟
ولكن (رمزي) نفسه لم يجد ما يقال وهو يهز جسده في عنف دون طائل بينما صرخت فيه (سلوى) قائلة:
- حاول أن تجد وسيله لإيقاظه يا (رمزي)
بنما ضربت (مشيرة) يدا بيد وهي تنظر نحو (رمزي) قائلة:
- هل انتظر كل هذا الوقت ليموت هنا ..!!
أما (سلوى) فقد حدجتها بنظرة ساخطة أتبعتها بصرخة عصبية وهي تقول:
- بدلا من هذه التعليقات السخيفة التي لا طائل منها احضري ما يمكننا إنعاشه به
هزت كتفيها في حيرة بينما اندفعت (نشوى) إلى الداخل لتبحث عما يمكن إفاقة (محمود) به بينما صرخت فيها (سلوى) للمرة الثانية:
- لا تتخشبي هكذا .. هيا ابحثي معها عما يصلح لإنعاشه
أما هي فقد اندفعت بدورها خلف (نشوى) .. وما هي إلا دقائق حتى كانت قد عادت وهي تمد يدها نحو (رمزي) قائلة:
- لم أجد سوى هذه
قالتها وهي تمد يدها نحوه فتناول ما في يدها على عجل دون أن يعي ماهيته .. وما أن طالع هذا الشيء حتى التفت إليها ذاهلاً وهو يقول:
- ما هذا .... بصلة..؟!!!
أما هي فقد تراجعت للخلف قبل أن تقول في لهجة لا تخلو من خوف:
- لم أجد غيرها و..
بترت عبارتها وهي تتابع ما أقدمت عليه (نشوى) التي هوت بجردل ملئ بالماء علي رأس (محمود) لتغرقه بأثره مع السرير الذي ينام عليه حتى أنه انتفض في مكانه وهو يقول بذهول:
- ماذا حدث .. ماذا حدث ..!!
لم يلتفت إليه أحد هذه المرة بينما راحت كل الأعين تتطلع نحو (نشوى) بإعجاب لإنقاذها الموقف علي هذا النحو وقد بدت إليهم في هذه اللحظة أقرب ما يكون إلى أبيها
إلي .. (نور)

* * *

أطلقت (هـ - 50) تنهيدة حارة وهي تحمل بين يديها طعام الإفطار بينما تقف أمام باب حجرة (جـ - 18) المغلق ثم بدت كما لو أنها تتردد في طريق الباب ثم لم تلبث أن حسمت ترددها وهي تتابع الطرقات علي باب الحجرة وحينما طال انتظارها دون أن يأتيها الرد عاودت الكرة مرة أخرى قائلة:
- افتحي الباب يا (جـ - 18) يا بنتي .. أنا عملت لك عصير زئبق من اللي بتحبيه .. وجبت لك شرايح فولاذ مقددة .. ولا يا سلام علي مربة النحاس اللي أنا عملاهالك بإديا... هتاكلي صوابعك وراها .. يالله يا بنتي افتحي ربنا يهديكي
قالتها ثم انتظرت لحظات أن يأتيها رد .. ولكن حينما حينما لم يحدث ذلك أعادت الكرة في إصرار دون طائل.. ثم لم تلبث طرقاتها أن تحولت إلي هدير فوق الباب ثم لم تلبث أن تحول الطرق المتتابع إلي مجموعة من طلقات الأشعة التي انهالت من عينهيا والتي لم يصمد أمامها الباب طويلاً فانخلع من مكانه في الحال بينما اندفعت هي داخل الحجرة وألقت نظرها سريعا في جميع جباتها ثم أطلقت صرخة ملتاعة حينما اكتشفت السرير الخالي أمامها ... ثم لم تلبث أن تحولت هذه الصرخات إلي صرخات استغاثة بزوجها قائلة:
- الحقني يا ( ى – 60) ...... الحقني يا راجل ... بنتك مش موجوددددة..!!
ولم يكد ( ى – 60) يسمع هذه الصرخات حتى اندفع نحو الحجرة هاتفا:
- ماذا حدث .. ماذا حدث ..!!
التقطت زوجته أنفاسها المنقطعة بصعوبة قبل أن تتبع:
- بنتك يا (ي – 60) ... بنتك مش في الأوضة .. ولا في البيت كله ... البت طفشت يا راجل
قالتها وانهارت فوق أقرب مقعد إليها بينما أدار زوجها عينيه تلقائيا في جنبات الحجرة .. وحينما لم يجد ما يفعله اندفع خارجا وهو يستنجد برجاله الآليين صارخا:
- أنت يا (برعي - 34) .. يا (هريدي ـ 27) .. يا ( أبو سريع ـ 41) ......... أنتوا يا كلاب
قالها بينما أندفع رجاله الآليون نحوه في عجل أما هو فقد أتجه عقله تلقائيا إلى اسم واحد ..
اسم (س ـ 18)..!!
وكان هذا يعني أن الأمور قد أخذت منحنى آخر... منحنا شريراً
وبحق..!!

* * *

لا أحد يعرف ماهية الزمن الحقيقية ..!
هذه الحقيقة شعر بها (نور) منذ اللحظة الأولي لإبحاره مع (أكرم) في نهر الزمن اللانهائي ويبدو أن (أكرم) نفسه لم يكن بأقل منه انبهارا .. لقد راحا معاً يتابعان المركبة الزمنية التي تقلهما معا إلى الماضي والتي راحت تنساب في نعومة عجيبة كأنما تنساب علي مسار من مخمل ناعم والغريب أن الأمر لم يستمر هذه المرة طويلاً .. فما هي إلا لحظات ضئيلة حتى شعرا بالمركبة الزمنية تتوقف حتى أن (أكرم) قد استدار نحو (نور) قائلاً بتعجب:
- ماذا حدث يا (نور)..؟!
أدار (نور) الأمر في رأسه قليلا قبل أن يقول له بحزم شديد:
- لا أجد تفسيراً منطقياً سوى شيئاً واحداً
قالها ثم صمت برهة ليتبع بعدها بنفس اللهجة الحازمة:
- أننا قد بلغنا وجهتنا يا صديقي
قالها قبل أن يستديرا سوياً نحو مؤشرات المركبة الزمنية والتي كانت تعلن بلوغ هدفها المحدد مسبقا بالفعل حتى أن (أكرم) قد وجد صعوبة في ازدراد لعابه وهو يستدير نحو (نور) مرة أخرى قائلاً بانبهار حقيقي:
- هل يعني ذلك أننا ...
لم يترك له (نور) الفرصة لاستكمال عبارته وهو يستطرد سريعاً:
- نعم يا (أكرم) هذا يعني أننا في الماضي
قالها بينما أتبع (أكرم) بانبهار هامس بلغ مسامعه بصعوبة:
- أيعني هذا أننا سنلتقي بعد قليل بـ...
ثم قطع عبارته كأنما لا يقوى علي استكمالها ثم أتبع بصعوبة:
- بالأسطورة..؟!!
ثم استدار نحو (نور) قائلا بذهول حقيقي:
- أحقا يا (نور) سنلتقي بـ (أدهم صبري) شخصياً..!!
حدجه (نور) بنظرة غريبة اشتم فيها رائحة الغيرة قبل أن يقول بتوتر:
- وماذا في ذلك.. لماذا تزيد من حجم الأمور الحقيقي دائماً..!!
لم يتمالك (أكرم) نفسه هذه المرة من الذهول وهو يقول بحيرة حقيقية:
- أتقول وماذا في ذلك ... أنسيت من هو (أدهم صبري) حقا أم انك تدعي ذلك فحسب..؟
ضغط (نور) أسنانه وهو يرمقه بنظرة أخرى نارية وهو يتبع بحدة:
- لا لم أنس .. ولن أنسي .. ولكن يبدو انك أنت من نسي أن السلسلة التي نعمل بها باتت تحقق مبيعات أكثر من تلك التي تحققها سلسلته ... راجع كل سجلات العمل وستعرف أن هذه حقيقة واضحة .. ولكن يبدو أن (أدهم صبري) هذا قد سلب عقلك وموضوعيتك كما فعل مع الجميع فنسيتم جميعاً المجرى الحقيقي للأمور ورحتم جميعا تتغزلون فيه بلا مبرر واضح..!
انتابت (أكرم) موجة هائلة من الذهول أعجزته عن الكلام حتى أن (نور) قد وجد من ذلك فرصة أخرى للحديث فأتبع بنفس اللهجة الحادة التي لا تخلو من توتر:
- أخبرني أنت لو انك تملك ما يقال فيما يتميز عنا (ادهم صبري) هذا ..!
ويبدو أن (أكرم) قد آثر الصمت مما جعل (نور) يتبع:
- أتراه يمتلك في سلسلته هذه ما نملكه من تقنيات حديثة.. أم تراه يملك مسدسات ليزرية أو مقاتلات ذرية ..؟
ويبدو أن صمت (أكرم) هذه المرة أيضا قد وهبه الثقة الكافية لاستئناف الحديث مما
جعله يتبع بنفس اللهجة:
- قل أنت بالله عليك هل أنقذ الأرض ذات مرة من مثل ما أنقذناه منها ... ؟
لم يملك (أكرم) هذه المرة إلا أن قال بهدوء:
- ولكنك تعلم أنهم هناك في سلسلته يحظون بالنصيب الأكبر من الشهرة .. أم انك نسيت (منى) و (قدري) و (سونيا جراهام) و (موشي) و(سيرجي ) وغيرهم ...؟!!
أطلق نور هذه المرة ضحكة تهكمية لا تخلو من انفعال وهو يقول بتحد:
- ولكنهم لا يملكون الورقة الرابحة الأكثر شهرة
قالها قبل أن يتبع في ثقة شديدة:
- لا يملكون (س ـ 18)
قالها ثم مال نحوه أكثر كأنما سيلقي مسامعه ما سيحسم الأمر برمته نهائياً وهو يتبع:
- كما يبدو أنك قد نسيت كالجميع نقطة التفوق الأكبر
ثم اتسعت عيناه بصورة غريبة وهو يتبع بقسوة غريبة:
- أنني الأذكى ..... أم انك تري غير ذلك ..؟!!
قالها وأشاح بوجهه بعيدا عنه
وحينما استعدا سوياً لبدء المهمة التي جاءا إلى هذا الزمن من أجلها كان قلب (أكرم) يرتجف كلما تذكر كلمات (نور) السابقة ...

* * *

انكمشت (جـ - 18) في سريرها الرث في عنبر السجينات الآليات وبدت وهي تضم ركبتهيا إلى صدرها وتستند برأسها إليهما كصورة مجسمة للبؤس الممزوج بالدهشة وعدم التصديق وهي لا تكاد تتخيل كل ما حدث لها منذ أن جاءت بها دوريات الشرطة إلى هذا المكان حتى أنها لم تلحظ الأعين التي راحت تتابعها في تحفز وعدوانية ليس لهما ما يبررهما ودون أن يدري أصحاب هذه الأعين أنها في هذه اللحظة على الأخص كانت تسرح بعقلها هناك..
في بحر من الذكريات

* * *

كانت بداياتها منذ مدة ليست بالقصيرة .. تلك الفترة التي ظهرت فيها موهبتها في الرقص الكوني حني أنها بدأت في لفت انتباه الجميع .. وكان هذا وحده كفيلا لها بأن يسطع نجمها بسرعة الصاروخ .. حتي أنها قد اعتلت القمة المطلقة في مدة قياسية مطيحة بكل الراقصات الكونيات التقليديات في تلك الفترة من أمثال ( فيفي – 20) و (دينا- 17) ... ولا تنسى أبدا كيف أشارت نحوها كل الأيدي في هذه الفترة وتفتحت في وجهها كل سبل المجد والشهرة خاصة بعد أن أشاد لها النقاد واعتبرها بعضهم الامتداد الأكثر تميزا لـ (ت – 12- كاريوكا) و (س – 15- جمال) و (ن – 13- عاكف) .. حتى أن تلك الآراء كانت دافعاً قوياً لدخولها عالم السينما من أوسع أبوابها لتقدم مجموعة من الأفلام القوية التي اعتبرها نقاد السينما علامات هامة في تاريخ السينما الآلية بأثرها واعتبرها الكثير من النقاد وقتها نجمة السينما الآلية الأكثر سطوعا خاصة بعد تقديمها لفيلم (رقصة في المريخ) الحاصل علي جائزة مهرجان الثقب الأسود الأولى في السينما الاستعراضية ولا تنسى أيضاً كم الإعجاب الذي حظيت به بعد تقديمها لفيلم ( آليون بلا أنف ) مع الممثل الشهير (مازنجر السقا) وقتها تصدرت صورها أغلفة جميع المجلات الفنية باعتبارها أسطورة السينما الجديدة حتى حينما قررت اختراق مجال السينما الكوميدية لتشارك نجم الكوميديا الشهير (جرينديذر هنيدي) ثلاثة من أهم أفلامه (عطارد رايح جاي) و ( أرغوراني في الجامعة الكونية ) و ( واكل صحبه ) ولاشك أن ذاكرة السينما لن تنسى لها دورها الرائع كآكلة لمعادن الآليين في الفيلم الشهير (بلا أسنان) ..
وقتها جذبها بريق الشهرة وخلبت لبها الأضواء ... ثم بدأت الأمور تعاود طبيعتها فبدأت تمل كل هذا وتسأم كل الأعين التي تتابعها من مبدأ الشهرة البحتة دون أن يلتفت لها أحد كآلية عادية لها مشاعر إليكترونية ونبض مغناطيسي ككل الآليات وراحت تنأي بنفسها تدريجيا عن العبارات المتملقة والنظرات المنبهرة وتمنت لو قدر لها أن تلتقي بشخص يهتم بكيانها فقط أكثر من أي شيء آخر حتى التقت به صدفة .. إنها لا تنسى ولن تنسي ذلك اليوم أبدا وقتها كانت.......
انبتر حبل أفكارها فجأة حينما باغتتها (سنية – 15) صارخة:
- أنتي يا ست الحسن والجمال ... قومي أنا عايزة أنام علي السرير دا .
حاولت أن تزوي حاجبيها كما تفعل أية آلية تحترم نفسها في مثل هذا الموقف .. لكنها وجدت صعوبة شديدة في ذلك خاصة أنها اكتشفت أن عينيها بلا حواجب فدفعت عن بالها هذا الخاطر وهي تحدج (سنية – 15) بنظرة متعجبة وفكرت أن تلقنها درساً لا تنساه .. ولكنها لم تلبث أن دفعت هذا الخاطر عن رأسها .. ربما ليس خوفا من ملامحها ذات الندبة المعدنية الغائرة والتي تحتل أحد جوانب وجهها البارد وإنما لأنها آثرت أن تتحاشى مثل هذه المواقف تحسبا لما قد يحدث فيما بعد كتطور لهذا العنف غير المحسوب لكل هذا دفعت بنفسها من فوق السرير لتحتل آخر .. لكن يبدو أن هذه الـ (سنية - 15) قررت ألا تترك الأمور تسير كما تتمنى بل تبعتها إلى السرير الآخر بمنتهى العجرفة ودفعت بها بنفس العنف قائلة:
- دعي هذا السرير أيضا
لم تحاول (جـ - 18) أن تزوي حاجبيها كالمرة السابقة بل نظرت إليها في نفاذ صبر قبل أن تتبع:
- وأين تودين أن أجلس ..؟!
أشارت (تفيدة – 15) بيدها نحو أحد الأركان قائلة :
- ستنامين هذه الليلة هناك
قالتها وهي تستلقي فوق السرير بأسلوب أكثر استفزازا بينما جرت (جـ - 18) قدميها المعدنيتن في صعوبة نحو الركن الذي أشارت نحوه ( سنية – 15) وحاولت أن تفرش ملاءة فوق الأرض لترتكن فوقها ولكن عبارة ( سنية – 15) القاسية طرقت أذنيها وهي اصرخ فيها:
- لا ... ستنامين فوق الأرض مباشرة
نظرت (جـ - 18) نحوها برهة تم حملت الملاءة مرة أخرى في قلة حيلة وألقت بها بعيدا بينما يطرق أذنيها هدير الضحكات التي أطلقتها بقية السجينات لتهدر في جو العنبر في سخرية .. بينما تنهدت ( جـ - 18) في قلة حيلة أكثر ثم أقترشت الأرض ... ونامت

* * *
- هل أنت على يقين من أننا لم نخطئ العنوان ..؟!!
قالها (أكرم) لـ (نور) وهما يتابعان سوياً بواب البناية الذي يجلس أمام مدخلها بينما يرمقهما معاً بنظرة متحفزة حتى أن (نور) قد ازدرد لعابه وتنفس في عمق قبل أن ينظر نحو (أكرم) قائلاً في حذر:
- علينا التأكد من ذلك أولاً ... كما لا يجب أن نلفت نظر هذا البواب لغرضنا الحقيقي
قالها ثم نظر نحو (أكرم) بينما يتبع:
- فكر معي في حل لمثل هذا الموقف
ازدرد (أكرم) لعابه بدوره ثم نظر نحو البواب ثم بدا كما لو أنه حسم أمره وهو يقول :
- دع هذا الأمر لي هذه المرة يا (نور)
قالها وهو يقترب من البواب الذي تحسس (الشمروخ)(*) الذي يحمله بجانبه في وضع متأهب بينما توقف (أكرم) أمامه ثم أتبع بينما يمد يده نحوه بلفافة تبغ كما يحدث في الأفلام القديمة قائلاً:
- كيف حالك يا (بلدينا)..؟
التقط الرجل اللفافة من يده وقد انفرجت شفتاه عن ابتسامة صفراء وهو يقول:
- خير يا بيه ..؟
تنحنح (أكرم) سريعا وقد انفرجت أساريره لشعوره بكسب ثقة الرجل قبل أن يتبع:
- إنني أبحث عن شخص يدعي (سمير غانم) ألا يسكن في الطابق الخامس في هذه البناية؟
- زوي البواب حاجبيه كعادة كل أبطال السلسلة بدوره وهو يقول بحيرة:
- (سمير غانم) مين يا بيه ... المشخصاتي..!!
- زوي (أكرم) حاجبيه بدوره كأنما أزعجه أن يفعل البواب ذلك وحده وهو يتساءل بداخله إن كان هناك ممثل حقا بهذا الاسم وعلي الرغم من ذلك فقد أتبع سريعا:
- هو بالفعل
هرش البواب شعره بكلتا يديه في حيرة قبل أن يقول:
- لا يا (برنس) ... اللي ساكن في الدور دا اسمه (أدهم صبري) هو و...
لم يستطع هذه المرة أن يكمل كلامه فقد ظهر إبنه صارخا :
- بقي لي ساعتين بأنادى عليك عشان نلعب (بلاي استيشن سوا)
ويبدو أن الرجل كان ينتظر هذه العبارة ليطير عقله فقد اندفع نحو الغرفة المخصصة لسكنه مع أسرته قبل أن يغلق باب البناية خلفه متجاهلا (أكرم) الذي احمر وجهه من الإحراج وفكر في إخراج مسدسه التقليدي من بين ثيابه لولا يد (نور) التي امتدت نحو يده من الخلف لتمنعه من فعل ذلك في اللحظة الأخيرة بينما أشار له ليتبعه و ما هي إلا مسافة قصيرة حتى التفت نحوه قائلاً:
هيا فكر معي في وسيلة مأمونة لدخول البناية دون أن يشعر بنا هذا البواب
أدار (أكرم) عينيه في المكان وهو يشير نحو الجهة الأخرى قائلاً:
- يبدو أننا سنضطر إلى تسلق المواسير الخلفية ... فهذه كما أرى هي الوسيلة الوحيدة شبه الآمنة لصعود البناية دون أن يشعر بنا هذا البواب
أما (نور) فقد أومأ له برأسه قائلاً:
- يبدو انه لا سبيل آخر أمامنا سوى ذلك
قالها وانطلق في خطوات متسعة فوق رصيف الشارع الخالي و ما هي إلا لحظات حتى كانا يقفان بجوار المواسير المرتفعة حتى أن ( أكرم) قد ازدرد لعابه وهو يقول لـ (نور) بصعوبة:
- أما من وسيلة أخري لبلوغ (ادهم صبري) أفضل من طريقة المواسير هذه ..؟!!
أشار له (نور) برأسه دلالة علي النفي مما جعله يتبع كأنما تذكر شيئا:
- بإمكاننا أن نتصل به هاتفياً وندعوه للقائنا و...
ولكن (نور) قاطعه مرة أخرى قائلاً:
- هل نسيت أننا لا نملك هاتفه..؟
قالها ثم دفعه ليتقدمه بالصعود وما هي إلا ثواني معدودة حتى كانا قد قطعا شوطا كبيرا من التسلق وهما يديرا عينيهما هنا وهناك خشية أن يراهما أحد ... كان هذا إلى أن باغتتهما تلك الصرخة النسائية التي شقت ظلام الليل في المنطقة:
- حرامىىىىىىىىىىىىىىىىىىىىى
ولم تكد الصرخة الرهيبة تصل إلى سمعيهما حتى أسقط في قلب (أكرم) وقد تذكر (الشمروخ) المخيف الذي يحمله البواب
و كعادة الأمور كان موقفا شديد التعقيد
وبحق..!!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) الشمروخ هو النبوت.. والنبوت هو الهراوة .. والهراوة هي الشومة .. والشومة هي العصاة الضخمة .. والعصاة الضخمة هي الـ .........إلخ

* * *
انتفضت (جـ ـ 18) من نومها مذعورة حينما ركلتها ( سنية ـ 15) ركلة عنيفة بقدمها حتى أنها فتحت عينيها وهي تتطلع نحو ( سنية ـ 15) بصعوبة والأخيرة تصرخ فيها بلهجة آمرة:
- هيا انهضي أيتها اللعينة ... كيف تنامين بعد أن استيقظت أنا
قالتها وركلتها بقدمها ركلة أخري أشد عنفا
حاولت (جـ ـ 18) أن تتحاشى الركلة فأمسكت بقدم ( سنية ـ 15) وأطاحت بها بعيداً حتى أنها أطاحت بها بعيداً مما جن جنون ( سنية ـ 15) التي نهضت من سقطتها صارخة:
- ماذا فعلت أيتها اللعينة..؟
قالتها ثم قفزت قفزة أفقية معقدة وأطلقت شعاع ليزري حاد تجنبته (جـ ـ 18) في بساطة متناهية ثم تلقت ( سنية ـ 15) بقبضة عنيفة هزت كيانها بأثره حتى أنها اندفعت لترتطم بالجدار المقابل بقوة شديدة أفقدتها الوعي على الفور أما بقية رفاقها فقد اندفعن نحو (جـ ـ 18) وفي عينيهن التمع الشر أما (جـ ـ 18) فقد كانت قد اتخذت وضعا قتالياً متأهبا ثم قفزت قفزة هائلة أصبحت بعدها وسطهم و ما هي إلا ثوان معدودة حتى كانت قبضتها تغوص في بطن الأولى بينما تطيح الأخرى بأسنان الثانية قبل أن تهوى إحدى قدميها على وجه الثالثة ...... وهكذا لم يستمر القتال ثوان معدودة أصبحت بعدها كل السجينات في كومة واحدة ... حتى أن (جـ ـ 18) قد وقفت فوق الكومة المكونة من أجسادهن ... وبدت كعملاقة حديدية وهي تصرخ صرخة هائلة قائلة:
- من النهاردة و رايح أنا الزعيمة يا غجر
قالتها ثم أتبعتها بصرخة أخري هادرة:
- جعلوني مجرمة ... جعلوني مجرمة ... جعلوني مجرمممممممممممممة

* * *

توقف الدكتور (فريد عبد العزيز) رئيس فريق أبحاث التجارب الزمنية أمام القائد الأعلى للمخابرات العلمية والواقع أن هيئته المزرية وعينيه الزائغتين قد لفتا انتباه الأخير في شدة على الرغم من ذلك فقد بدا القائد الأعلى شديد الهدوء وهو يوجه حديثه نحوه قائلاً:
- ماذا لديك يا دكتور (فريد)..؟!
ازدرد الرجل لعابه في صعوبة قبل أن يتبع في توتر شديد:
- الأمر يتعلق هذه المرة برحلة المقدم (نور) ورفيقه (أكرم) يا سيدي
زوي القائد الأعلى عينيه في دهشة صامتة بينما أتبع الدكتور (فريد) بمزيد من التوتر:
- عفوا يا سيدي ... ولكن الحسابات الأخيرة المصاحبة لانطلاق المركبة الزمنية التي يستقلانها قد أثبتت كارثة يا سيدي
اندفع القائد الأعلى إلى الأمام وقد اتسعت عيناه في ذهول دون أن يقوى على التفوه ولو بكلمة واحدة..بينما أتبع الدكتور (فريد) بنفس اللهجة:
- نعم يا سيدي ... المركبة الزمنية لن تصل بهما إلى وجهتهما التي قصدناها جميعاً..
هتف به القائد الأعلى دون وعي:
أين إذا يمكن أن يكونا قد ذهبا ..!!
هز الرجل رأسه بطريقة استوعبها القائد الأعلى مباشرة وهو يقول:
- حثي هذه اللحظة لا أحد يعرف يا سيدي .. ولكننا لا ندخر جهداً لمعرفة هذا الأمر وأعدك أنه لن تمر سويعات قليلة حتى نكون قد توصلنا إلى الجهة التي وصلا إليها
قالها دون أن يدري أن القائد الأعلى لم يسمع بقية عبارته بينما راح سؤال ملح يطرق برأسه كألف جرس:
إذا لم يكن (نور) و (أكرم) الآن في زمن (ادهم صبري) فأين هما ..!!
وكان محقا جداً
أين هما ..؟
أين...!!!!

للانتقال إلى الفصول التالية اضغط عبارة ( رسائل أقدم ) بالأسفل