
ارتفع دوي الرعد عنيفاً يصم الآذان في تلك الليلة من ليال ديسمبر شديدة البرودة .. حتى أن شوارع (تل أبيب) قد خلت من المارة تقريباً .. وانكمشت كل صور الحياة .. تاركة المجال لأصوات المطر الذي يرتطم بأرصفة الطرقات في عنف .. وتزاحمت صور الشتاء الخالدة لتبعث البرودة القارصة في أوصال الجميع .. وعلي الرغم من ذلك اندفعت تلك الشابة في معطف مطر شمل كل جسدها تقطع الطرقات بحسم شديد كأنما تعرف اتجاهها جيداً .. وما هي إلا لحظات محدودة حتى كانت تقف أمام منزل عتيق منزو في أحد الشوارع الجانبية ثم أخرجت من جيبها مفتاح صغير دسته في رتاج الباب مباشرة ولم تنتظر الإذن بالدخول إذ دفعت الباب وخطت بقدمها مباشرة إلي الداخل .. وبداخل المنزل وأمام مدفأة عتيقة انكمشت عجوز طاعنة في السن فوق مقعد وثير.. وعلي الرغم أنها لم تستدر نحوها إلا أنها بادرتها بكلمات حملت كل حزم وصرامة العالم وهي تقول:
ـ لم أكن أعتقد أني سأضطر إلى الانتظار كل هذا الوقت حتى تأتين ..!!
لم يبدُ علي الشابة أنها ألقت بالا لعبارتها وإنما انهمكت في خلع المعطف المبتل وهي تقول بلا مبالاة:
ـ لقد ساء الجو في (تل أبيب) كثيرا ولم أعد أرى أية مبررات حقيقية لإقامتك فيها خاصة بعد أن تقدم سنك و ساءت ....
قاطعتها العجوز بصرامة هذه المرة قائلة:
ـ لم أعتد أن يتجاهل أحد أياً من عباراتي ..
أطلقت الشابة ضحكة جزلة حملت الكثير من الشماتة هذه المرة وهي تقول:
ـ جميل منك أن قلتيها بصيغة الماضي ..
ثم اتبعت وهي تقترب منها بوجهها أكثر:
ـ لكل منا زمنه يا عزيزتي ...
ثم استدارت بعيداً عنها كأنما تعمدت أن تواري مشاعرها وهي تتبع بلهجة أكثر حسماً:
ـ من الأفضل لكلينا أن تتطرقي مباشرة إلي الموضوع الهام الذي أرسلتِ إلى العائلة بشأنه..
سعلت العجوز هذه المرة بقوة كأنما فاجأتها هذه الكلمات ثم تابعت بطرفي عينيها صورتها التي استقرت فوق المدفأة وبجوارها استقرت صورة أخرى كأنما تستعيد ذكريات شبابها قبل أن تقول كأنما تتجاهل عباراتها:
ـ لابد أن العائلة باتت لا تدين لي بالاحترام المناسب حتى أنها لم تكترث لمطلبي كثيراً...
ثم صمتت فترة قبل أن تتبع بلهجة خاصة :
ـ حتى أنها لم تجد غيرك لإرساله لي في المهمة التي أردت تكليفهم إياها .. !! لم تكد تتفوه بالعبارة حتى أطلقت الشابة ضحكة رنانة شقت صمت المكان وهي تقول:
ـ يبدو أن شيطانة العائلة السابقة تجهل مع من تتكلم هذه المرة ..
ثم راحت تتظاهر بالعبث في أظفارها الطويلة وهي تتبع:
ـ ما لا تعرفه شيطانة السابقة ( سونيا جراهام) هذه المرة أيضاً أنها تتحدث لأخطر أفراد عائلة (جراهام ) على الإطلاق ..
قالتها قبل أن تتبع بلهجة مسرحية لا تخلو من الاستعراض:
ـ فأنا (تفيدة جراهام) ملكة العائلة المتوجة عبر كل أجيالها بلا نزاع
ثم لم تلبث أن حدجتها نظرة نارية في عينيها مباشرة قبل أن تتبع بنفس الشماتة والتفاخر:
ـ حتى أن الأب الروحي للعائلة أدون (عتريس جراهام) قد أكد هذه الحقيقة بنفسه مراراً في أكثر من مناسبة...
أطلقت بعدها ضحكة أخرى أشد سخرية وقسوة من سابقتها وهي تميل نحوها قائلة بسخرية لاذعة:
ـ ماقول (سونيا جراهام) شيطانة العائلة السابقة فيما قلت ..؟؟
ثم أنها حدقت في عينيها مباشرة على نحو سافر وهي تتبع بقسوة دون أن تنتظر رداً على عبارتها السابقة:
ـ لقد مضى زمنك منذ أمد بعيد يا عزيزتي ..
قالتها وحملقت في عينيها وهلة كأنما تتابع تأثير العبارة في ملامحها ثن لم تلبث أن انطلقت في ضحكة هستيرية ساخرة ...
* * *
ـ ها هو ذا هناك ..
قالها (أكرم) وهو يشير بيده نحو (س-18) الذي احتل مقعدا خلف منضدة صغيرة في نادي (الكواكب) الليلي للآليين والذي تم إنشاءه مؤخرا في مدار المريخ .. بعد حركة التوسعات الأخيرة التي نجمت عن (اتفاقيات عطارد) للتبادل المشترك فيما بين كوكبي (الأرض) و (جلوريال) ... ولم يكد (أكرم) ينطقها حتى سبقه (نور) نحو (س-18) صارخا:
ـ (س-18) هل جننت ... ما الذي أتي بك إلي مثل هذه الأماكن المشبوهة ..!!
لم يبد علي (س-18) أنه وعى عبارته وهو يرفع يده الممسكة ببرميل نحوه قائلا:
ـ في صحتك ياسيدي ..هئ ..
ثم تجرعه مرة واحدة .. حتى أن (نور) نظر نحو (أكرم) بذهول قبل أن يقول هذا الأخير دون أن يفارقه الذهول بدوره:
ـ أوصل بك الأمر إلي احتساء حمض الكبريتيك المركز في وجودنا ..
قالها وهو يقترب منه كأنما يتشممه أكثر قبل أن يتبع ذاهلا:
ـ وبالصودا أيضا...!! ياللكارثة..ياللكارثة...!!!
أما (نور) فلم يبدُ عليه أنه قد انتبه لعبارته وهو يصرخ فيه قائلاً:
ـ هيا يا (أكرم) عاونني بالله عليك حتى نأخذه من هنا فأنت تعرف أن دوريات شرطة الآداب الكونية تمر من هنا باستمرار .. ولن يكون ما سيحدث في صالحه لو عثرت عليه إحدى هذه الدوريات وهو يترنح في الطرقات ..
قالها واندفع نحو (س-18) في محاولة منه لزحزحته من مكانه .. أما هذا الأخير فقد ترنح في مكانه صارخاً ..
ـ ابتعد عني يا سيدي .. دعوني وشأني ي ي ي ..
وعلي الرغم من محاولات (نور) المستميتة إلا أنه لم يقوَ حتى علي زحزحة زراعه من مكانها .. حتى أنه قد توقف في مكانه وشعور مرير من اليأس يسيطر علي كيانه وهو ينقل بصره بين (س-18) و(أكرم) الذي رفع كتفيه بقلة حيلة في حركة فهمها (نور) علي الفور .. فحتى مساعدته له لن تجدي في زحزحة (س-18)من مكانه قيد أنملة .. ولم يكن (نور) في حاجة إلى الكثير من الذكاء ليدرك هذه الحقيقة فهو يعلم بما لا يدع مجالا للشك أنه لو تضافرت جهود جميع رواد المكان علي زحزحة جسد (س-18) من مكانه لما أجدى ذلك .. ولم يطل تساؤله طويلاً إذ اندفع (أكرم) خارج المكان تتابعه تساؤلات (نور) التي لم تدم طويلا فما هي إلا لحظات حتى كان (أكرم) قد عاد للمكان وهو يقود ونشا كبيراً وبمساعدة بعض الآليين العاملين في المكان تمكن الجميع من حمل (س-18) خارجا وهو يردد بآلية صفيرا منغوماً لأغنية ( أمان يالاللي أمان ) الشهيرة ثم لا يلبث بين الحين والآخر أن يصيح قائلا:
ـ ( أنا جدع ...هئ....)
بينما راح (نور) يضرب كفا بكف وهو يردد في أسي شديد:
ـ ياللفضيحة .. ياللفضيحة ..
* * *
ـ هل لاحظت ما لاحظته أنا يا (نور) ..؟
قالها (أكرم) بأحرف ذاهلة وهو يوجه حديثه نحو (نور) الذي كان يتوسط أفراد الفريق قبل أن يومئ هذا الأخير برأسه قائلا:
ـ لست وحدي من لاحظ ذلك يا (أكرم) .. لقد لاحظ الجميع أن ذلك المخادع (س-18) يتكلم ..
اتسعت عينا (سلوى) بذهول وهي تقول:
ـ ماذا تقصد يا (نور) ..؟!!
نظر نحوها وعبارات الدهشة ترتسم في ملامحه بوضوح قبل أن يقول:
ـ نعم يا (سلوى) لقد كان(س-18) يخدعنا طوال الوقت فهو لا يردد عبارة واحدة كما كنا نتخيل جميعا .. بل إنه يتكلم بطلاقة ..
قالها قبل أن يشيح بوجهه إلى الناحية الأخرى ثم يقول بلا تصديق:
ـ بل ويغني أيضاً ..
اتسعت عيناها في ذهول كذلك فعل الجميع وهم يحملقون في (س-18) الذي توقف في ركن الحجرة المجاورة بعد أن حطم كل الأسرة الموجودة بالمنزل بعد محاولاته العديدة للنوم علي إحداها ... ثم استدارت نحو (نور) مرة أخرى قائلة بنفس الذهول:
ـ وماذا يعني ذلك يا (نور) .. ؟!
حاول أن يفتح فمه للإجابة .. ولكن فجأة وبلا مقدمات ارتج المنزل بأثره ثم راحت أجزاء من السطح تتهاوى حولهم فاندفع الجميع إلى الخارج بينما راحت (نشوي) تصرخ في فزع قائلة:
ـ ماذا يحدث يا أبي..؟؟! أهو زلزال..؟؟!
أما (نور) فقد توقف في مكانه في هدوء بعيداً عن المنطقة التي تكومت فيها أنقاض المنزل المنهار وهو يتابع بعينيه مع الجميع (س-18) الذي خرج من تحت الأنقاض في سهولة مطلقة بينما ارتفعت عقيرته بالغناء مردداً مقاطع الأغنية الشهيرة:
(البانجو مش بتاعي والله برئ يا بيه .. الذنب ذنب أصحابي هما اللي رموني علييييييييييييه )..
أما (أكرم) فقد التفت إلى (نور) قائلا بتعجب:
ـ ماذا كان ذلك يا (نور)...؟!!!
فأجابه (نور) بهدوء شديد:
ـ إنها وسيلة اتصال القائد الأعلى الجديدة بنا يا (أكرم) يبدو أنه هناك مهمة جديدة تنتظرنا ...
قالها وراح يتساءل في أعماقه عن طبيعة المهمة الجديدة ...
3 التعليقات:
ههههههههههههه
مسخره
ماناقص الا يغني س 18 رقصني ياجدع وعلى واحده ونص
jههههههههههههههههههههههه لحد دلوقتى تمام يا باشا و مستنيين باقى الاجزاء بس اوعى تقولنا الجزء اللى جاى الشهر اللى جاى زى دكتور نبيل
جميله والله يا دكتور استمر..
hammi127
إرسال تعليق